
أحيانًا لا يحتاج المرء إلى خطط كبرى ولا إلى نظريات معقدة كي يتخيل ملامح التعافي ولا ما يجب ان تكون عليه الأمور ولا الحياة السليمة، يكفي أن يتأمل التفاصيل الصغيرة؛ تلك التي تمر أمامنا كل يوم فلا نكاد ننتبه إليها، مع أنها تحمل في داخلها ملامح الأزمة وملامح الحل معًا.
سنكون بخير.. إذا تحوّل النقاش حول كتاب جديد أو رواية صادرة حديثًا إلى شأن عام، كما يتحول مسلسل رمضاني إلى قضية نقاش وجدال مجتمعي. ليس لأن المسلسلات ترفٌ يجب أن يُدان، بل لأن اتساع مساحة الحديث عن فكرة مكتوبة يعني اتساع مساحة التفكير ذاته ومساحة القراءة والثقافة. وإذا تحقق من ذلك عشرون بالمئة فقط، لكان كافيًا لإحداث أثر تراكمي يتجاوز ما نتوقع.
سنكون بخير إذا عاد الذوق قيمة مشتركة، لا رفاهية فردية، التناسق في ألوان الواجهات، في اختيار الأزياء، في ترتيب المساحات ليست قضايا شكلية كما قد يظن البعض. فالذوق انعكاسٌ لحالة داخلية من الاتزان، وحين يختل الخارج غالبًا ما يكون ذلك صدى لاختلال داخلي او عدم اتساق.
سنكون بخير إذا انخفضت نبرة الصوت في الحوار. في الطرقات. في أماكن العبادة. كأن الهدوء صار مرادفا للضعف والخوف في زمن الصخب، ة ليس المقصود هنا خفوت الحيوية، بل انحسار الفظاظة. فالأمم لا تُقاس فقط بما تقول، بل بكيفية قوله.
سنكون بخير إذا أدركنا أن الإتقان ليس ترفًا يُمارسه من يملك فائض الوقت او ان الأمور من الطبيعي ان تسير بدونه، بل هو معيار ادارى وأخلاقي وديني ايضا. وأن التعاون ليس خيارًا انتقائيًا، بل ضرورة وجود فلا أحد يستطيع ان يفعل كل شيء بمفرده وأن العلم ليس فرض كفاية يسقط بقيام البعض بتحصيله، بل مسؤولية تشاركية
سنكون بخير إذا فهمنا أن السخرية، حين تتجاوز حدها، تتحول من أداة نقد إلى أداة هدم. فالضحك ضرورة إنسانية، لكنه إن فقد بوصلته قد يجرّد الأشياء من معناها، ويجعل كل قيمة قابلة للتندر، حتى القيم التي تقوم عليها الحياة ذاتها.
سنكون بخير إذا قدّرنا القيم أكثر من القيمة، والأفكار أكثر من الأحداث. إذا لم ننجرف وراء الصخب العابر، واحتفظنا بمسافة تسمح لنا برؤية الصورة الكاملة. فالأحداث تملأ اللحظة، أما الأفكار فتصنع المستقبل.
سنكون بخير إذا استعدنا ثقتنا بأنفسنا، وثقتنا بالله قبل ذلك. فالثقة ليست شعورًا عابرًا، بل قاعدة نفسية تبنى عليها القرارات والمبادرات. ومن فقد ثقته صار مترددًا حتى في أبسط الخطوات.
سنكون بخير إذا استحضرنا حقيقة أن الجسد يفنى، وأن الروح باقية وهذه الحقيقة الوجودية تفرض علينا أن نعتني بما يبقى أكثر مما نبالغ في العناية بما يزول.
وسنكون بخير.. إذا توقفنا عن الحديث فيما لا نعلم، أو فيما لا يعنينا. لأن الكلمة مسؤولية، ولأن كثرة القول لا تعني دائمًا كثرة الفهم.
ليست هذه شروطًا مثالية، ولا تصورًا لمدينة فاضلة. إنها ملامح طريق. وربما لا نحتاج أن تتحقق كاملة؛ يكفي أن نبدأ. فالتعافي لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل إلينا تدريجيًا… حين نقرر أن نكون أكثر وعيًا، وأكثر اتزانًا، وأكثر صدقًا مع أنفسنا.



