الاتزان الذي يشبه الهروب

أحيانًا لا نحكي، ليس لأننا لا نجد الكلمات، بل لأننا ندرك أن قولها سيجعل كل شيء أكثر وضوحًا مما نحتمل. هناك مشاعر لا تأتي كعاصفة، بل تتسلل بهدوء، ثم تبدأ تدريجيًا في إعادة ترتيبنا من الداخل دون إعلان. فجأة، نصبح أكثر وعيًا بأنفسنا: نلاحظ صمتنا، ترددنا، وانجذابنا لتفاصيل لم تكن تعني لنا شيئًا من قبل.
نحب، نعم، لكن هذا الحب لا يأتي بريئًا كما نتصور. يأتي مصحوبًا بوعي زائد؛ نرى معه احتمالات التعلّق، ونستبق الخسارة قبل أن تحدث، ونتخيل النسخة التي قد نصبحها لو انجرفنا بالكامل. هذا الوعي لا يمنحنا طمأنينة، بل يضعنا في حالة مراقبة دائمة لأنفسنا، كأننا نحاول أن نشعر دون أن نتورط.
هنا نختار منطقة وسطى مربكة: لا نقترب بما يكفي لننتمي، ولا نبتعد بما يكفي لنتحرر. نُسمي ذلك اتزانًا، لكنه في حقيقته محاولة مستمرة للسيطرة على فوضى داخلية نخشى عواقبها. نحن لا نعيش الشعور كما هو، بل نعيد تشكيله في حدود آمنة، نحافظ فيها على أنفسنا حتى لو فقدنا جزءًا من التجربة.
نكتفي بلحظات عابرة: نظرة سريعة، كلمة عادية، حضور خفيف يمر في يومنا دون ضجيج. نُقنع أنفسنا أنها كافية، ليس لأنها كذلك فعلًا، بل لأنها الحد الذي لا يكلّفنا شيئًا. ومع الوقت، نتعلم نوعًا خاصًا من القرب؛ قرب لا يُقال ولا يُطالب به، لا يغير الواقع، لكنه يترك أثرًا داخليًا يصعب تجاهله.
الحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها هي أن بعض المشاعر لا نتركها لأنها مستحيلة، بل لأنها تكشف فينا ما لا نريد مواجهته. لذلك نخرج من التجربة كما دخلنا تقريبًا، دون خسائر واضحة، لكن بشيء ما في الداخل تغيّر بهدوء.
“أخطر ما في هذا النوع من الاتزان… أنك لا تخسر شيئًا في الظاهر، لكنك تخسر احتمالات حياة كاملة كان يمكن أن تعيشها.”




