كاتب ومقال

حين يصبح الأمان احتمالا مقلقا

ليس كل ما يُستعاد يُطمئن…أحيانًا، حين يقترب من الإنسان ما افتقده طويلًا، لا يشعر بالاكتمال، بل بنوعٍ خفي من الارتباك، كأن داخله لم يعد مُهيّأً لتصديق أن الأشياء يمكن أن تعود دون ثمن.

يحدث ذلك بهدوءٍ لا يلفت الانتباه…حضورٌ بسيط في ظاهره، دافئ بالقدر الكافي ليوقظ الاحتياج القديم،ومربك بالقدر نفسه، لأنه يُلامس منطقة لم تلتئم بالكامل.

في مثل هذه اللحظات، لا يتقدم الإنسان نحو ما يريد كما كان يفعل من قبل…بل يتباطأ، يراقب، ويُعيد ترتيب مشاعره بحذرٍ غير معلن.لا يثق بسهولة، ولا يرفض صراحةً، بل يبقى في حالةٍ بينهما،كأنه يمنح نفسه فرصة النجاة، حتى وهو يقترب.

الذاكرة هنا لا تكون مجرد ماضٍ…بل أداة تفسيرٍ حاضرة،تُعيد عرض النهايات القديمة كلما بدت البدايات واعدة،وتهمس بأن ما يبدو مختلفًا الآن، قد ينتهي بالطريقة نفسها لاحقًا.

لهذا، يتغير الإحساس دون أن يختفي…يصبح أقل اندفاعًا، أكثر حسابًا،كأن الإنسان لم يعد يخاف الفقد فقط،بل يخاف النسخة التي سيصبح عليها إن تكرر.

وفي الداخل، يتشكل صراعٌ صامت…رغبةٌ حقيقية في أن يطمئن، أن يُسلّم هذه المرة دون مقاومة،وخوفٌ أعمق، يربطه دومًا بحافة التراجع،يذكّره أن الأمان الذي لا يكتمل، يترك أثرًا أثقل من الغياب نفسه.

فيبقى معلقًا…لا هو قادر على أن يعيش الشعور بكامل حضوره،ولا هو مستعد للتخلي عنه تمامًا،يتحرك داخله بقدرٍ محسوب، كأن الإفراط في الإحساس مخاطرة لا تُحتمل.

ومع الوقت، لا يفقد الإنسان ما حوله بقدر ما يفقد قدرته على التماهي معه…يُتقن التوازن، يُجيد السيطرة،لكن شيئًا ما في العمق يظل متحفّظًا،كأن العفوية التي كانت تقوده يومًا، لم تعد خيارًا متاحًا.

“المشكلة لا تكون في عودة ما افتقدناه…بل في أننا، بعد كل ما حدث، لم نعد كما كنا لنستقبله.”

بقلم:

د. محمود علام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى