
منذ عدة عقود كان ذلك المبنى المطل على نيل القاهرة الأثير يقف شامخًا، من داخله تنطلق الحكايات، وفي أروقته تطوى الأسرار، وينطلق بعضها من محطات الأخبار، تنطق بشموخ، وتعلنها قوية: هنا القاهرة.. إذاعة جمهورية مصر العربية.
لم يكن يدور بخَلد عالم الآثار الفرنسي الكبير “جاستون ماسبيرو” (Gaston Maspero)، والذي شغل منصب رئيس هيئة الآثار المصرية وقدم خدمات جليلة للتاريخ والحضارة المصرية، أن ذلك المبنى الذي يحمل اسمه سيتحول إلى أهم صرح إعلامي في الوطن العربي وإفريقيا، وربما لا نبالغ لو قلنا إنه كان واحدًا من أهم الصروح الإعلامية حول العالم. وربما لم يتوقع أحدهم أن الصرح العملاق سيتوقف ضجيجه الذي ينهمر كالسيل، منذ ستينيات القرن العشرين، فتجد أهله يشتكون مرارة ما هم فيه، ولم يكن الأمر من ضعف مالي، فهناك الملايين التي وضعت في مهب الريح، في تجارب ماتت في مرحلة المخاض، ولم يكتب له الحياة.
إنه الجزاء القدري المستحق لمن يسلم زمام الأمور لمن لا يحسن سياستها، فكانت النتيجة التي لا ينكرها إلا أعور العين أو أعماها، أن يذهب جانب كبير من ذلك الرونق التاريخي، وأن يهرب الكثير من أبنائه المبدعين إلى حيث بريق الأخضر، أو تخمة المال، وإن كانت في صحاري شاسعة!
وسط هذا الوضع المتأزم، يطل علينا برنامج يضم نخبة من ألمع النجوم، أو قل: باقة من رائحة الزمن الجميل، تعيدنا إلى ذكريات العصر الذهبي لماسبيرو الذي كان، يا الله، يا للزمن!
من منا ينسى وقت أن كنا نجلس متربعين حول طبلية العشاء على مسلسلات قطاع الإنتاج بالتليفزيون المصري “يوم أن كنا وكان” ومن يستطيع أن ينزع من مخيلته أصوات عمالقة الإذاعة المصرية ومسلسلاتها وحكاياتها التي لا تنتهي، ولمن لم يسعد بهذه المرحلة العظيمة من تاريخنا الثقافي فعليه بمتابعة قناة “ماسبيرو زمان” وليتأمل كيف كنا وإلام صرنا!
مؤخرًا وعلى استحياء بدأت الخطط لمنح “ماسبيرو” قبلة الحياة، هذه الخطوة التي يراها البعض لا تجدي ثمرة، وسط تراكم الديون وتهالك الاستوديوهات، ولكن الحقيقة التي لا فرار منها أن ماسبيرو أكبر من مجرد مبنى؛ لأنه تاريخك الذي بعمر دول في المنطقة، وحكاياتك التي غزلت وصيغت بإبداعات المصريين على اختلاف اهتماماتهم، إنه صوتك الذي لا يجب أن يخبو مهما حدث!
فأل حسن أن يعود “من ماسبيرو” والذي كان يقدمه الراحل عاطف كامل -وبالمناسبة كان محاورا متميزًا- ولكن العودة التي نتطلع إلى ثمارها تحمل في طياتها أساتذة كبار، من بينهم محمود سعد، أسامة كمال، سناء منصور، رامي رضوان، وغيرهم من النجوم البارزة في المبنى التاريخي.
لا يمكن النظر إلى صناعة الإعلام بمعزل عن أمننا القومي، بمفهومه الواسع من عرض ما نجحنا فيه، بل ومناقشة ما أخفقنا فيه ووضع خارطة طريق لحلول تلائم مجتمعنا، وإن من حسن الطالع أن تجد هذه الرموز حاضرة في تناغم يعكس خبرة السنين، ولكن علينا أن ندرك أن هذه السيمفونية حتى تعمل جيدا، فيجب ضبط الإيقاع وربط الحاضر بماضي ماسبيرو وتراثه الثري، ليعرف أجيالنا كيف كنا، لعلنا ندرك صورة إعلامية تليق بمصر وتاريخها ووزنها في المنطقة والعالم.



