حين تصبح الحياة أقوى من الحب

أحيانًا لا يكون أصعب ما في الحب أن تخسر من تحب، بل أن تفهمه أكثر مما ينبغي.
لأن الفهم لعنة جميلة وقاسية في آنٍ واحد. يجعلك ترى ما لا يراه الآخرون، ويجعلك تلتمس الأعذار في كل مرة كنت تحتاج فيها إلى الغضب، ويجعلك تدرك أن ما يؤلمك لم يكن يومًا مقصودًا، فتفقد حتى حقك في اللوم.
لهذا لم أستطع أن أغضب منها كما ينبغي.
كلما حاولت أن أفعل تذكرت حجم ما تحمله وحدها. تذكرت أن وراء هذا الصمت ألف فكرة تستنزفها، وأن وراء هذا الغياب مسؤوليات لا تمنحها فرصة لتكون كما تريد، وأن وراء كل مرة ابتعدت فيها عني حياة كاملة كانت تشدها من يدها بعيدًا عن كل شيء.
كان التعلق بها مرهقًا بطريقة لا تشبه أي ألم آخر.
فأنا لم أحب امرأة لا تبادلني الشعور، ولم أحب امرأة قاسية القلب، ولم أحب امرأة تتلاعب بالمشاعر أو تهرب منها. بل أحببت امرأة أرهقتها الحياة حتى صار الحب نفسه مسؤولية إضافية تخشى أن تعجز عن الوفاء بها.
وما أقسى أن تدرك هذا.
أن ترى بعينيك أن المشكلة ليست في القلب، بل في الثقل الذي فوق القلب. ليست في المشاعر، بل في المساحة المتبقية لها. ليست في الرغبة، بل في القدرة.
فبعض الأرواح لا تعجز عن الحب، وإنما تعجز عن حمل المزيد.
كانت تبدو للجميع قوية. تبتسم، تنجز ما عليها، وتواصل السير كأنها اعتادت كل شيء. لكن خلف هذه الصورة كانت هناك امرأة تستنزفها الأيام بصمت. امرأة تؤجل راحتها من أجل مسؤولياتها، وتؤجل أحلامها من أجل واجباتها، ثم تؤجل قلبها في نهاية الأمر كما أجلت كل شيء قبله.
ولعل هذا ما لا يفهمه كثيرون عن المرأة حين تحب.
فهي لا تحتاج إلى الكلمات العظيمة بقدر حاجتها إلى الاهتمام. لأن الاهتمام بالنسبة إليها ليس ترفًا عاطفيًا، بل شعور بالأمان. هو الرسالة اليومية التي تخبرها أن هناك من يراها وسط كل هذا التعب، وأنها ليست وحدها في مواجهة الحياة.
لكن كيف لإنسانة تستنزفها الأيام أن تمنح دائمًا ما تحتاجه القلوب؟ وكيف لمن يحمل أثقاله كلها وحده أن يجد متسعًا لكل ما يشعر به؟
وهنا يبدأ النوع الأكثر هدوءًا والأكثر قسوة من الألم.
أن تحتاجها ثم تعذرها.
أن تشتاق إليها ثم تفهم سبب غيابها.
أن تتمنى قربها ثم تدرك أن الحياة تطالبها كل يوم بأشياء أثقل من أن تسمح لها بالاقتراب.
فيصبح الصراع داخلك مستمرًا. لا أنت قادر على الرحيل لأن قلبك هناك، ولا أنت قادر على المطالبة بحقوقك العاطفية لأنك تعرف حجم ما تواجهه.
وما بين الحاجة والتفهم يولد ذلك الحزن الصامت الذي لا يعرفه إلا من أحب شخصًا مثقلًا بالحياة. حزن لا يثور ولا يصرخ، فقط يجلس داخل القلب ويأكل منه ببطء.
ومع الوقت تكتشف أن مشاعرك نفسها بدأت تتغير. لم تعد تخاف أن تخسرها بقدر ما أصبحت تخاف عليها. لم تعد تدعو أن تكون لك، بل تدعو أن يخفف الله عنها ما تحمل. أن يمنحها بعض السلام وسط هذا الركض الطويل. أن تجد لحظة راحة من كل ما يثقل روحها.
لأن الحب حين يبلغ أقصى درجاته لا يعود رغبة في الامتلاك، بل يتحول إلى أمنية صادقة بأن يكون من نحب بخير، ولو لم يكن معنا.
ولهذا أقول إن أصعب ما في الحب ليس الفراق، ولا الرفض، ولا المسافات.
أصعب ما فيه أن تقف عاجزًا أمام إنسان تحبه بكل ما أوتيت من صدق، بينما تعلم أن خصمك الحقيقي ليس شخصًا آخر، بل حياة كاملة أثقلت روحه حتى لم تترك فيها متسعًا لكل هذا الحب.
فما أقسى أن تحب امرأةً لا يمنعها عنك غياب الشعور، بل كثرة ما أرهقتها الحياة حتى أصبحت تحارب كل يوم من أجل البقاء، بينما كنت أنت تحارب كل يوم من أجل الوصول إليها.



