
الحارة في حالة حركة مستمرة، ضجيج وضوضاء مع أول شعاع نور، كل أهل الحارة أمام بيت المعلم صبري، كبيرهم وصغيرهم مشغولون في التحضير والتجهيز لحفل عرس المعلم وإثبات الحضور والإخلاص وقبلهم إعلان وتأكيد الفرحة فوق وجوههم صاحبة الملامح المرتعبة طوال الوقت،
حفل زفاف المعلم صبري رقم تسعة، المعلم عاشق للنساء وكلما مل من زوجة طلقها وإستبدلها بغيرها، لا يقبل بالحرام ويستعيذ بالله بصوت مرتفع بمنتصف الحارة مع كل حالة خطية في الحارة ويضرب فاعلها بلا رحمة وهو يسبه ويلعنه معبرًا عن غضبه وسخطه من فعل الحرام في حين أن حلال الله متاح وبوفرة،
لم يثبت يومًا زواجه من إمرائتين في وقت واحد، في جلسات المرح المسائية، يجلس بالمنتصف ويحدث صبيانه والحضور عن أهمية الزواج من واحدة فقط، وجهة نظره ثابتة ويعلمها الجميع من كثرة تكراره لها،
الزوجة كالأكلة الشهية، لا يجوز وضع الدجاج جنب السمك ولا يجوز أكل المكرونة مع الأرز، حتمية التذوق تتجسد في الإنفراد بوجبة واحدة، شرط أن تكون طازجة وشهية وجيدة المذاق،
بيته من طابقين فوق مخزن أسفلهم بلا أي حوائط داخلية، الطابق السفلي لأبناءه من جميع زوجاته ولم يفكر مطلقًا في بذل أي عناء أو مجهود في حفظ أسمائهم وإكتفى طوال الوقت بمنادتهم حسب نوعهم، خد يا واد.. تعالي يا بت،
والطابق العلوي المزين بمشربية عملاقة بمنتصف واجهته، خاص به وحده هو والزوجة الحالية حتى يُصيبها القِدم ويعتاد طريقة رقصها ويزهد في أنوثتها ويشتاق قلبه لطعم جديد ومختلف،
أطفال الحارة في حالة سعادة غامرة ولا يتوقفون عن الغناء والرقص وهم يعلمون من صِبية الحارة أن حفل زفاف المعلم يشمل وليمة عملاقة تكفي الجميع وتزيد والليلة لن تنتهي قبل ظهور العوالم ورقصهم للجميع حتى الصباح،
قبل الغروب بدأت الوفود في الوصول لأرض الحارة مُحملة بهدايا تليق بمكانة المعلم وسط فتوات الحي، خراف وزجاجات شربات وأجولة حبوب وطيور وصواني طعام مزينة بقطع اللحم وكلهم محاطين برقص ألسنة النساء داخل آفواههم،
الأسطى منعم المزين، أحاط رقبة المعلم العملاقة كأنها لثور عمره خمس سنوات بفوطة جديدة بيضاء وحرك الموس فوق خده برجفة وهو يعلم أن جرح بسيط غير مرئ قد يعجل بلقاءه بربه، ظل يتحرك بالموس بخفة وخوف وهو يثرثر في كل شئ ويتجنب لمس المرآة الصغيرة الممسك بها المعلم ليرى وجه، حتى قطع عمله صوت كفتة أقرب صبيان المعلم له وهو يلهث ويجلس على ركبته أمام المعلم ورغم إنقطاع أنفاسه تحدث بصوت غليظ وأخبره بأن محروس طليق سعدية العروسة وصل الحارة وصاح وهتف بغضب مؤكدًا أن زواج المعلم باطل وغير شرعي لأن طلاقهم تم دون إرادته بعد أن أجبره المعلم على ذلك وهو “سايح في دمه”
إنتفض المعلم بغضب عارم كاد أن يتسبب في سقوط الأسطى منعم صريعًا من شدة الفزع وصرخ في كفتة وباقي الصبيان وأمرهم بتقييد محروس ووضعه في مخزن البيت حتى ينزل له بنفسه، أزاح الفوطة من حول رقبته ودفع منعم بيده جعله يسقط على ظهره وغسل وجهه وتحرك بثبات نحو المخزن وشاربه يتراقص لأعلى وأسفل بتزامن مع سعاله المزعج لتسليك صوته،
رغم أن نزول المعلم لم يستغرق سوى خمس دقائق، إلا أنهم كانوا كافين أن يجد محروس مقيد من يديه والدم يسيل من فمه وعيناه منتفخة وملونة باللون الأزرق الداكن، أمسكه من سترته بغلظة وهو يجذبه نحوه ولا يفصل بينهم سوى شارب المعلم وصاح به بصوت خرج من أمعائه لفمه دون المرور بحنجرته،
– مش قلتلك يا إبن الشرموطة ما تقفش قدام حلال ربنا
ثم هوى على وجهه بصفعة أنقصت فم محروس سنة وناب ونظر لصبيانه وبعض الواقفين من وجهاء الحارة ووجه حديثه لهم بصرامة وحسم،
– ينفع يا رجالة اللي بيعمله العيل المرخي ده؟!
مفيش أي إحترام لحرمة المعلم حامي الحارة برجالتها ونسوانها وعيالها؟
لم يجروء أحد على الرد وتجمدوا في أماكنهم كأنهم تماثيل من الشمع حتى أشار المعلم بنفسه نحو الشيخ يونس الذي إبتلع ريقه بهلع وظهرت رجفة جسده بوضوح للجميع،
– العِدة خلصت يا شيخ يونس؟
– خلصت يا معلم
– يجوزلي أتجوز سعدية ولا لا يجوز؟
– يجوز يا معلم، حلال والشرع معاك
أدار جسده الضخم مرة أخرى نحو محروس الشبه فاقد للوعي وعادت قبضته حول سترته الملطخة بالدم وهزه بعنف وهو يصيح،
– بتعطل الحلال وشرع ربنا يا كافر يا إبن الوسخة
ثم بصق في وجهه وركله بقدمه في معدته وهو يتمتم بخشوع واضح “أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم”
غادر المعلم المخزن بعد أن ترك نظرة لكفتة كانت كفيلة أن تجعله يشير بالتبعية لبعض رفاقه ويحملوا محروس خارج المخزن ويختفون عن الأنظار حتى قرب نهاية حفل العرس حتى عادوا من جديد وإقترب كفتة من أذن المعلم صبري وهمس له ببعض كلمات كانت كافية أن ينهض المعلم من وسط جلسته ويشير للموسيقى بالتوقف ويُعلن بحزن وصوت مغلف بالتأثر،
– لا حول ولا قوة إلا بالله.. الأسطى محروس في ذمة الله، قفّل يا جدع أنت وهو الرقص والمغنى وكل حي يروح على داره،
لا إله إلا الله.. ولا دايم إلا وجه الله
إلتف رجال الحارة حول المعلم وهم يقدمون له واجب العزاء وتكررت عبارات الإستغفار على الألسنة حتى أن أحدهم همس بتأثر بالغ،
– ربنا كتبلك الخير يا سعدية، كان زمانك دلوقتي أرملة لولا المعلم صبري إبن الحلال سترك وحاش عنك الأذى
تحرك المعلم بحماس وخلفه رجال الحارة وهو يأمرهم بحماس وحسم،
– بينا يا رجالة نقوم بالواجب
حاول الشيخ يونس منعه عن ترك عروسه مؤكدًا له أنه سيقوم بالواجب والمطلوب هو ورجال الحارة على أكمل وجه، إلا أن المعلم رفض بحزم وبشكل قاطع مؤكدًا له وللجميع أن لا شئ يؤجل أو يمنعه عن القيام بالواجب وبالأخص واجب العزاء.




