
إرتفع صوت حاجب المحكمة وهو ينادي بصرامة مجهولة السبب.. ريهام السيد محمود،
إنتفض المحام بهمة وثقة وأشار للسيدة الجالسة بجواره لتتبعه للوقوف أمام القاضي لإثبات صحة توقيع عقد بيع شقة قديمة، بعد خطوتين صاحت آخرى كانت تجلس بجوارها،
– ريري.. خلي الورق ده معاكي
انتبه طارق للصوت ورمقهم بنظرة مدققة لفتت انتباه صديقه المحامي عصام وما كان منه إلا أن وغزه بكوعه دون أن يراهم أحد،
– إهمد يخربيتك
رمقه طارق بنظرة شبه غاضبة وهمس له بصوت به رجفة،
– أنت مش سامع قالتلها ايه؟.. دي قالتلها يا ريري
– منك لله أنت وريري في ساعة واحدة، يا إبني أبوس راسك إهدى وأسكت شوية، هو أنت كل ما تشوف واحدة إسمها ريري تقول هي؟!
شحب وجه طارق ولاذ بالصمت رغم إستمراره في النظر نحو ريري ومحاميها ورفيقتها، المرة رقم مئة التي يحدث فيها نفس الموقف ويشتبه فيها طارق بأن إحداهن هي ريري حتى يتفاقم الموقف ويتعقد ويتأكد من خطأ ظنه،
ريري تلك المجهولة التي طرقت باب رسائله ذات صباح على أحد مواقع التواصل وحدث بينهم حديث قصير تعليقًا على بوست كتبه وبعدها تكرر الحديث بينهم حتى توطدت بينهم صداقة إلكترونية أحد طرفيها مجهول الهوية،
حاول مرارًا أن يعرف عنها أي معلومة دون جدوى، في كل مرة تطلب منه برقة التوقف عن السؤال والإكتفاء بمعرفة إسمها التي إختارته لنفسها.. ريري،
حدثته كل يوم في كل وقت في كل شئ وأصبح يحكي لها كل ما يخصه ويمر به كأنها تعيش معه وتراه وأصبحت على دراية تامة بحياته ويومه لدرجة أن أصبحت تعرف ما يدور برأسه قبل حتى أن ينطقه لسانه، رقيقة هادئة إمتلكت قدرة فائقة على إمتصاص غضبه وتهدئة عصبيته المفرطة وإجبار فمه على الإبتسام، إعتاد الحديث معها حتى أدمنه وتحول من رجل بالغ عاقل رشيد لطفل مدلل لا يخطو خطوة دون الرجوع إليها وإنتظار رأيها والإلتزام بتنفيذه بكل دقة، لم يعرف على وجه الدقة كيف ومتى وثق فيها وآمن بضرورة وجودها في حياتها، فقط تقبل الوضع وإعتاده حتى إكتفى بها عن الجميع وزهد حتى في مقابلة أقرب أصدقاؤه، حتى ماضيه وقصة حبه القديمة مع جارته وزميلة دراسته أخبرها بها وأنها مازالت عالقة بداخله، أخبرها لم يلحظ أدني شعور بالغيرة منها!
الوقت كله ملكًا لها وحدها ولأحاديثهم التي لا تنتهي ولا يتسلل لها الملل أبدًا، فقط هو طارق وهي ريري وإصبعه دائمًا في وضع إستعداد للكتابة إليها،
الكل يبحث طوال حياته عن هذا الرفيق المخلص الهادئ حتى يجده وحينها يتنازل بكامل إرادته ويسعد بكونه طفل يُمسك بطرف رداء أمه يتبعها بثقة وشعور كامل بالراحة والأمان،
شهور وهو في حالة نشوة وسعادة حتى جاء هذا اليوم الذي لم يتخيله، ريري لا تُجيب.. صمت مطبق وجمود قاتل وسكون ملعون وشعور مفزع بأن خدمة الإنترنت إنقطعت عن كامل كوكب الأرض، إختفت ريري بدون أسباب كما ظهرت بدون أسباب، حاول وحاول وحاول دون نتيجة، طرق أبواب كل أهل الخبرة التكنولوجية عل أحدهم ينجح في الوصول إليها.. والنتيجة صفر.
تبخرت ريري من الوجود، حينها فقط أدرك لأول مرة أن حسابها الإلكتروني لم يكن به أحد سواه، هو فقط وريري وما بينهم من محادثات،
أصابه ما يُشبه الجنون، أهمل عمله وحياته ومظهره وأصبح دائم النظر في شاشة هاتفه على أمل أن يسمع إشعار من حسابها يعيد لقلبه الحياة، أعاد قراءة أحاديثهم القديمة عشرات المرات على أمل أن يصل لجملة أو كلمة أو حتى حرف يستدل منه على شخصيتها ومن تكون،
ريري.. قد تكون رحاب أو رباب أو ريهام أو رحمة أو رضوى أو أي كائن يبدأ إسمه بحرف الراء،
كل المقربين منه عرفوا بأمرها وحاولوا معه مرغمين في البحث عنها كٌل بطريقته دون الوصول لنتيجة، حتى أنه أحدهم قالها في لحظة يأس بسخرية، قد يكون رجل وأراد التلاعب بك والسخرية منك بتعلقك بمجهولة لا تعرفها،
الكل مشوا خلف الشك والظن إلا هو، كان واثقًا من أنها حقيقة ولم تكن لحظة واحدة وهم أو خيال أو محاولة ساخرة للإحتيال، طارق تخطى الثلاثون من عمره ونضج بالقدر الذي يحميه من الوقوع في فخ النصب والإحتيال والتلاعب بعقله ومشاعره،
تتابعت الشهور والأيام وبدأ في الإستسلام لقدره وقبول الفقد والخسارة كمن يفقد عزيز ويُغيبه الموت والرحيل، قَبِل فقدانها لكنه لم يعد كما كان، لم يعد الشاب المبتسم ذو الطلة المميزة، أصبح كأنه رجل عجوز تحدى العمر والزمن بصبغ شعره وإرتداء الملابس العصرية ذات الألوان الزاهية،
بعد ما حدث في المحكمة وبخه صديقه عصام على ردة فعله ونصحه بحب وإخلاص أن يتوقف عن البحث عن مجهول لا وجود له وذهب ولن يعود، تركه وإرتجل دون هدف حتى وجد نفسه دون أن يشعر أمام محل قديم لبيع الهدايا ولعب الأطفال، إبتسم بنصف فمه وهو يقف أمام الڤاترينة ويشرد في ماض لم يكتمل، فجأته صورة ملامح تتراقص بين البضاعة المرصوصة فوق الزجاج، إنتبه وقطب حاجبيه قبل أن يُدير جسده بعنف ودهشة بعد أن فطن لمن يقف خلفه،
هي بنفسها بنفس إبتسامتها الرقيقة وكأن الزمن تجاهلها ولم يترك أثر خطواته على ملامحها، حدق بوجهها لثوان في صدمة ودهشة ثم تماسك وحرك شفتيه المرتعشة،
– نهى!
إتسعت إبتسامتها ثم أمسكت بها لتعود أصغر وأقل بهجة وأجبرت ملامحها على ثبات التعبير وهمست برقة وتلعثم،
– إزيك يا طارق.. بتعمل ايه هنا؟
– مفيش كنت معدي صدفة وقلت أقف شوية
قطع حديثهم صغيرة تحمل نفس ملامح نهى بتطابق عجيب بشعر قصير وإبتسامة أكثر وضوح وثبات وجراءة في الظهور وهي تحمل لعبة صغيرة بفرحة وسعادة،
– دي بنتك؟
إكتسى وجهها بحمرة خجل ذابت وتاهت مع حمرة نضارة وجهها الفطرية،
– أيوة
ثنى ساقيه حتى تمكن من تقبل جبين الصغيرة وهو يتأملها بمشاعر متضاربة لم يستطع تحديدها، كان من الممكن أن تكون تلك الصغيرة الجميلة إبنته لو أن الماضي لم يُفرق بينه وبين نهى منذ سنوات،
– إسمك إيه يا سكر؟
– ريماس.. وأنت إسمك ايه؟
ضحك بسعادة حقيقية من طريقة كلامها ولدغتها الواضحة في حرف الراء وقد تيقن أنها ورثت من أمها كل شئ حرفيًا ورد وهو يقلد لدغتها بدعابة،
– طارق
أمسكت نهى بيد الصغيرة وهي تتحرك بظهرها بخجل وإرتباك تريد المغادرة وإنهاء لقائهم المباغت لكلايهما،
– مبسوطة أوي إني شفتك يا طارق يا رب تكون بخير، يلا يا ريـ… يا ريماس
جحظت أعين طارق ورفع حاجبيه بصدمة عارمة وتمتم دون تركيز،
– ريماس.. ريري
وقف كإعصار على وشك الإنفجار وهو ينقل بصره بين نهى وريماس بتلاحق وشعور بدوار كمن سقط من فوق قمة جبل عملاق وهتف بلوعة بوجه نهى،
– أنتي ريري!
لم تنطق بحرف وإكتسى وجهها بخليط من ملامح الحزن والخجل واليأس والإرتباك حتى صاحت الصغيرة بحماس طفولي تام،
– أنا يا عمو.. أنا ريري.
تمت.




