كلمة ورد غطاها| هل فشل قانون أستراليا لحظر وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون السادسة عشرة؟
بقلم: المهندس زياد عبد التواب

منذ أن دخل القانون الأسترالي الخاص بحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة حيز التنفيذ في العاشر من ديسمبر 2025، لم يتوقف الجدل حوله. فبينما اعتبره البعض خطوة جريئة وغير مسبوقة لحماية الأطفال والمراهقين من التأثيرات السلبية المتزايدة لوسائل التواصل الاجتماعي، سارع آخرون إلى وصفه بالفشل، مستندين إلى أن الأطفال ما زالوا قادرين على الوصول إلى حساباتهم عبر شبكات الـVPN أو من خلال التحايل على أنظمة التحقق من العمر.
لكن هل يكفي وجود طرق للالتفاف على القانون حتى نعتبره فاشلاً، أم أن القضية أكثر تعقيدًا من هذا الاستنتاج السريع؟ فعند النظر إلى أي سياسة عامة أو تشريع جديد، يجب التمييز بين هدفين مختلفين. الهدف الأول هو تحقيق الامتثال الكامل، أي منع جميع المخالفات دون استثناء. أما الهدف الثاني فهو تقليل حجم الظاهرة المستهدفة وإحداث تغيير ملموس في السلوك العام، حتى وإن لم يتم القضاء عليها بالكامل. تاريخيًا، نادرًا ما تحقق القوانين الامتثال الكامل، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها فاشلة.
في الحالة الأسترالية، تشير البيانات الرسمية إلى أن منصات التواصل الاجتماعي أزالت ما يقارب 4.7 مليون حساب يُعتقد أنها تعود لأشخاص دون السن القانونية خلال الأسابيع الأولى من تطبيق القانون. كما أعلنت الجهات التنظيمية عن انخفاض ملحوظ في عدد الحسابات التي يمتلكها المستخدمون دون السادسة عشرة، وهو انخفاض قُدّر بحوالي 37%. هذه الأرقام لا يمكن تجاهلها، لأنها تعني أن القانون أحدث أثرًا حقيقيًا وقابلًا للقياس.
إذا قلنا إنه لو كان القانون قد فشل بالفعل، لما شهدنا إزالة ملايين الحسابات، ولما اضطرت الشركات التقنية الكبرى إلى تطوير أنظمة جديدة للتحقق من العمر أو تعديل سياسات التسجيل الخاصة بها. فمجرد استثمار هذه الشركات في إجراءات الامتثال يعكس وجود ضغط تنظيمي فعلي فرضه القانون الجديد، لاسيما أن العديد من الدول الأخرى قامت بسن قوانين مشابهة، وعدد آخر من الدول في طريقها لذلك.
وهنا تظهر نقطة مهمة كثيرًا ما تُتجاهل في النقاش العام. فالرواية المنتشرة التي تقول إن “القانون فشل لأن الأطفال يستخدمون VPN” تبدو مبسطة أكثر مما ينبغي. فالـVPN في حد ذاته ليس العامل الحاسم في هذه القضية. فالقانون الأسترالي لا يعتمد أساسًا على تحديد الموقع الجغرافي للمستخدم بقدر ما يعتمد على التحقق من العمر والهوية. ولذلك، فإن تغيير عنوان الـIP لا يجعل المستخدم أصغر أو أكبر سنًا، ولا يمنحه تلقائيًا حسابًا موثوقًا أو معتمدًا. بمعنى آخر، إذا كانت أنظمة التحقق من العمر قوية وفعالة وربما مبتكرة أيضًا، بحيث تستطيع التحقق والاستمرار في التحقق من المستخدم، يصبح استخدام VPN وحده غير كافٍ لتجاوزه، إلا إذا استطاع المستخدم الالتفاف على نظام التحقق نفسه. فإن الـVPN يصبح مجرد أداة إضافية ضمن مجموعة أكبر من وسائل التحايل. لذلك، فإن اختزال المشكلة كلها في الـVPN يؤدي إلى تشخيص غير دقيق لطبيعة التحدي الحقيقي.
وبالرغم من أن الدراسات التي أُجريت بعد تطبيق القانون تشير بالفعل إلى أن نسبة من الأطفال ما زالت تحتفظ بإمكانية الوصول إلى بعض المنصات، إلا أن هذه الدراسات نفسها لا تقول إن الوضع عاد كما كان قبل القانون، ولا تدعي أن المنصات لم تتخذ إجراءات أو أن أعداد المستخدمين لم تنخفض. بل على العكس، فهي تؤكد على وجود انخفاض ملموس في الوصول إلى المنصات، بالتوازي مع استمرار وجود طرق للالتفاف على القيود.
وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف يجب أن نقيس نجاح أو فشل هذا النوع من التشريعات؟ فإذا كان معيار النجاح هو منع كل طفل دون السادسة عشرة من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فمن المؤكد أن القانون لم يحقق هذا الهدف بشكل كامل. أما إذا كان المعيار هو تقليل أعداد المستخدمين القُصّر، وإجبار الشركات على تحمل مسؤولية أكبر، ورفع تكلفة التحايل، وتقليص حجم المشكلة مقارنة بما كانت عليه قبل القانون، فإن المؤشرات الحالية تشير إلى نجاح جزئي لا يمكن إنكاره، وستزيد نسبته في المستقبل مع استمرار التطبيق ومع اكتشاف الثغرات المتعددة والجديدة. ومعنى ذلك ببساطة أن الحكم النهائي ما زال مبكرًا. فالآثار الحقيقية التي سعت الحكومة الأسترالية إلى تحقيقها لا تتعلق فقط بعدد الحسابات المحذوفة، بل تشمل أيضًا مؤشرات أكثر عمقًا مثل الصحة النفسية للمراهقين، وأنماط الاستخدام الرقمي، ومستويات التعرض للمحتوى الضار، وهذه النتائج تحتاج إلى سنوات من المتابعة قبل إصدار حكم نهائي عليها.
لذلك، اختصارًا نستطيع أن نقول إن التوصيف الأكثر دقة في الوقت الحالي هو أن القانون الأسترالي لم يفشل، لكنه أيضًا لم يحقق سيطرة كاملة على الظاهرة. فهو قد نجح في تقليل الوصول إلى المنصات وإجبار الشركات على اتخاذ إجراءات واسعة النطاق، لكنه ما زال يواجه تحديات حقيقية تتعلق بالتحايل والثغرات التقنية، وهي تحتاج إلى المزيد من الانتباه والتركيز والعمل. أما الادعاء بأن القانون فشل لمجرد أن بعض المستخدمين تمكنوا من الالتفاف عليه باستخدام VPN أو غيره من الوسائل، فهو ادعاء غير حقيقي ولا دليل مؤكد عليه. ولكن لكي نكون أكثر إيجابية، يمكن أن نقول إن القانون وإجراءاته يمكن اعتبارها حلقة قوية وهامة في سلسلة حلقات الحماية التي تشمل التوعية وتخطيط الوقت والأنشطة للأطفال داخل وخارج العالم الرقمي.




