كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| الإجهاد بالتفاهة

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

أصبح تواجد المستخدمين داخل شبكات التواصل الاجتماعي أمرًا مرافقًا لفتح أعينهم صباحًا حين الاستيقاظ، والخروج من تلك الشبكات أصبح متزامنًا مع إغلاق العيون ليلاً في محاولة النوم. ونتيجة لطول المدة، يضيع الهدف وتفقد الغاية؛ فهم لا يبحثون عن أي شيء محدد، ولكنهم يتصفحون ويتصفحون بحثًا عن شيء لا يعرفون ما هو، وهنا تكمن الخطورة. أن تبحث عن مجهول وتنتظر اللا شيء.

الكثير يفتح هاتفه لدقائق قليلة، ثم يجد نفسه بعد ساعة أو أكثر يتنقل بين صور متشابهة، ومقاطع قصيرة متلاحقة، وأخبار لا تضيف إلى معرفته شيئًا. وفي نهاية الرحلة، لا يشعر بالمتعة كما كان يتوقع ويرغب، بقدر ما يشعر بإرهاق غامض يصعب تفسيره.

حالة الإرهاق هذه لم تعد مجرد انطباع شخصي، بل أصبحت ظاهرة رصدتها دراسات عديدة تحت مسمى “إجهاد وسائل التواصل الاجتماعي”. حيث تشير الإحصائيات العالمية إلى أن متوسط الوقت الذي يقضيه المستخدم على منصات التواصل بلغ نحو ساعتين وإحدى وأربعين دقيقة يومياً في عام 2025، وهو رقم يعكس الحجم الهائل من المحتوى الذي يتعرض له الفرد بشكل مستمر. بالطبع هذا المتوسط لا يعني أن الجميع يقضون تلك المدة؛ فالبعض قد يقضي ساعة واحدة فيما يقضي آخرون عشر ساعات أو أكثر. ولذلك نجد أيضًا أن أبحاث أكاديمية توصلت إلى أن الإفراط في تدفق المعلومات والمحتوى يؤدي إلى ما يُعرف بـ”الإرهاق المعلوماتي”، وهو أحد أبرز أسباب الشعور بالتعب النفسي المرتبط باستخدام تلك التطبيقات.

المشكلة ترتبط بالمحتوى وتنوعه وتفاهته أيضًا؛ فالعقل البشري مصمم لمعالجة قدر محدود من المعلومات المفيدة، لكنه يجد نفسه أمام سيل لا ينقطع من الصور والمقاطع السريعة والعناوين المثيرة، والتي تتنوع بين أخبار هامة وأخرى تافهة، موضوعات بديهية وجدلية، والقليل من الصدق والكثير من الكذب والزيف. بالإضافة إلى ما يشمله هذا التنوع من تأثيرات على كيمياء العقل البشري والمشاعر المصاحبة، من فرح إلى قلق إلى أمل إلى يأس إلى رجاء إلى رعب. ومع الوقت، تبدأ الأعراض بالظهور، مثل تشتت الانتباه، وصعوبة التركيز، والشعور بالملل وضيق الصدر بالرغم من الاستهلاك المستمر للمحتوى، والإجهاد الذهني، وتراجع القدرة على القراءة المتعمقة أو التفكير الهادئ، بالإضافة إلى الشعور بالدونية وسوء الحظ مقارنة بالآخرين الأكثر سعادة وحظًا في الحياة.

ولعل أخطر ما في الأمر أن المستخدم يظن أنه يستريح أثناء التصفح وأنه يسترخى ويأخذ هدنة من مشكلات الحياة ومصاعبها. والحقيقة أنه لا يعرف أن عقله يكون في حالة عمل متواصل. فكل صورة تحتاج إلى انتباه، وكل مقطع يحتاج إلى معالجة، وكل خبر يستهلك جزءًا من الطاقة الذهنية، حتى وإن بدا تافهًا. وما هو أخطر من هذا وذاك أن المستخدم لا يعرف أن الكثير من تلك المواد والأخبار والمشاعر تنتقل مباشرة إلى العقل الباطن ربما دون إحساس أو شعور مصاحب، ولكنها تختلج داخله وتتفاعل مع مواد أخرى ومشاعر أخرى ومواقف أخرى. وبعد أن تصل إلى مرحلة “التخمر”، تنتقل إلى أعصابه ومشاعره وأحاسيسه، فتصيبها بالخدر أو بالتسمم أو اليأس والألم.

الحل لا يتمثل في هجر التكنولوجيا، بل في إعادة تنظيم العلاقة معها وجدولة الاستخدام. حيث يمكن تقليل هذا الإجهاد عبر تحديد أوقات ثابتة لاستخدام المنصات، وإلغاء التنبيهات غير الضرورية، ومتابعة المصادر والمجموعات والأشخاص ذوي القيمة المعرفية، وحذف الحسابات التي تكرر المحتوى السطحي. كما يجب تنفيذ نظرية ملء الفراغ؛ فالساعات التي ستتوقف فيها عن التصفح لابد من أن تملأها بأشياء أخرى مفيدة، مثل تخصيص جزء من الوقت اليومي للقراءة، أو الاستماع إلى الموسيقى، أو مشاهدة فيلم لطيف مسلٍ، أو الاستماع إلى الإذاعة، أو التحدث مع البشر – وليس تطبيقات الذكاء الاصطناعي – والكثير من التأمل والصلاة والتسبيح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى