كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| احتضار التميز

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

لطالما كان التفرد الواعي مفتاح التميز والنجاح. انظر إلى المبدعين العظماء، لن تجد أيًا منهم يقلد مبدعًا سابقًا بحذافيره، ولكن قد يتأثر بمبدع أو أكثر، أو حتى مدرسة إبداعية معينة. قد يسير على درب البعض، لكن في النهاية يأتي إلينا بأسلوبه المتفرد. فالناس لا تبحث عن نسخة ثانية مما تعرفه، بل عن إضافة جديدة. فالحياة تحتاج إلى تجديد، وكلما تسارعت وتيرتها زادت الحاجة إلى التميز والاختلاف.

رافقت مثلاً كتابات نجيب محفوظ أو توفيق الحكيم أو العقاد أو طه حسين… إلخ، هل ترى لهم من شبيه من قبل؟ الإجابة لا. ولكن بعد ظهورهم وتألّقهم، حاول الكثيرون السير على نهجهم، ولكن للأسف وقعوا في فخ التقليد الأعمى، فانتهى بهم الأمر إلى النسيان والانتهاء.

هذا نمط يتكرر في مختلف المجالات، وتتكرر نتائجه أيضًا. مثال آخر: إذا نظرنا إلى عمالقة الأداء التمثيلي، لن تجد أيًا منهم أسيرًا لتقليد أحد. كل منهم له أسلوبه المتميز الذي كونه عبر خبراته والاحتكاك مع البشر والمواقف، ثم يصقل ذلك بالدراسة فتظهر الموهبة. أما من أتى بعدهم وحاول أن يقلدهم، فتحول إلى نسخة باهتة بلون الموت. وهذا ما يحدث بالتأكيد؛ حاول استرجاع نماذج حاولت تقليد نور الشريف أو أحمد زكي أو محمود ياسين أو عادل إمام أو فؤاد المهندس، وانظر إلى أين انتهى المصير. بالمناسبة، الأسماء السابقة مجرد أمثلة، فالقائمة تطول وقد تحتاج إلى مجلدات، وليس إلى سطور قصيرة في مقال سريع.

الأمر نفسه في الغناء؛ عبد الحليم حافظ، أم كلثوم، فوزي، فريد، جورج وسوف… إلخ. نفس النتيجة، وهي موجودة أيضًا في باقي الفنون مثل الفنون التشكيلية والتأليف الموسيقي وغيرها. والحقيقة أنه بالخروج خارج نطاق الثقافة والإبداع، نجد الأمر متكررًا في باقي المجالات المهنية والإنسانية: في علوم الإدارة والطب والزراعة والمحاسبة والمحاماة… إلخ. التفرد هو مفتاح التميز.

حتى الأهل والأصدقاء، ومن تتجاور معهم في حافلة نقل عام أو زميل كرسي في طائرة تطير بعيدًا، لن يعلق في ذهنك إلا الشخص المختلف. أما النسخ المكررة، فهي مثل المناديل الورقية، قد تفي بالغرض وقتيًا، لكنها تذهب غير مأسوف عليها.

وإذا كان التقليد البشري قديمًا قدم الإبداع، فإن التكنولوجيا الحديثة أوجدت شكلًا جديدًا وأكثر خطورة من التقليد من خلال أدوات ونماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي التي يستخدمها البعض بكثير من الإفراط، وتعطيل العقل وقدراته. ببساطة، لأنها تنتج ملايين النصوص والصور والأفكار بالأنماط نفسها في وقت قياسي. فيتحول التشابه من ظاهرة فردية إلى ظاهرة جماعية، والنتيجة تنميط في العبارات والأفكار والتراكيب اللغوية وطريقة النظر والتحليل للأمور كافة.

الإشكالية أن هذا النمط الموحد قد يصبح هو النموذج الواجب على الجميع اتباعه بعد عدة سنوات، وسيُهاجم بشدة من يحاول أن يوجد لنفسه أسلوبًا متفردًا. وهكذا سنتحول جميعًا، ونتحول العالم معنا إلى مريض شاحب الوجه، خافت الصوت، يحتضر على فراش التكنولوجيا في انتظار أن يفقد آخر ما يميزه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى