كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| ثقافة العمل.. المعركة التي لا تقل أهمية عن الاقتصاد

بقلم: شحاتة زكريا

ليس كل ما يواجه الاقتصاد يُحل بقرار. ولا كل أزمة تعالج بحزمة مالية أو تشريع جديد. فهناك معركة أكثر هدوءا لكنها أشد تأثيرا تدور كل صباح في المصانع، والمكاتب، وورش الإنتاج، والمدارس، والمستشفيات، والحقول. إنها معركة ثقافة العمل تلك القوة الخفية التي تحدد ما إذا كانت الخطط ستنجح والاستثمارات ستثمر والتنمية ستستمر أم ستظل الإنجازات أقل من الطموحات.. كثيرا ما ينشغل الرأي العام بمؤشرات النمو وأسعار العملات وحجم الاستثمارات ونسب التضخم وهي مؤشرات تعكس جانبا مهما من الواقع الاقتصادي. لكن خلف هذه الأرقام يقف عنصر حاسم لا يظهر في الجداول والإحصاءات هو الإنسان.

فالعامل الذي يتقن عمله والموظف الذي يحترم وقت المواطنين والمهندس الذي يراجع التفاصيل قبل التوقيع والطبيب الذي يضع ضميره قبل أي اعتبار جميعهم يصنعون اقتصادا قويا حتى وإن لم تظهر أسماؤهم في تقارير المؤسسات الدولية.. لقد أثبتت تجارب الدول التي حققت قفزات اقتصادية أن نقطة البداية لم تكن الثروات الطبيعية ولا الموقع الجغرافي.وإنما الإنسان المنتج. فكم من دولة تفتقر إلى النفط والمعادن لكنها أصبحت قوة صناعية وتكنولوجية لأنها جعلت من العمل قيمة ومن الانضباط ثقافة ومن الإتقان معيارا لا يقبل التنازل. وفي المقابل امتلكت دول أخرى موارد هائلة لكنها لم تستطع تحويلها إلى تنمية مستدامة بسبب ضعف الإنتاجية وانتشار ثقافة الاعتماد على الآخرين.وتراجع قيمة العمل الجاد..

ومن هنا فإن الحديث عن الإصلاح الاقتصادي لا ينبغي أن يقتصر على الأرقام والسياسات بل يجب أن يمتد إلى بناء ثقافة جديدة تؤمن بأن العمل ليس مجرد وسيلة للحصول على راتب بل رسالة ومسؤولية وشراكة في بناء الوطن. فكل دقيقة تهدر في موقع عمل وكل إهمال في تنفيذ مهمة وكل تقصير في أداء واجب ينعكس في النهاية على جودة الخدمة، وتكلفة الإنتاج، وثقة المستثمر، وقدرة الاقتصاد على المنافسة..

ولعل من أخطر التحديات التي تواجه أي مجتمع أن يصبح النجاح منفصلا عن الجهد أو أن يتراجع احترام أصحاب المهن الذين يبنون ويزرعون ويصنعون ويعلمون. فالمجتمعات لا تنهض عندما تبحث عن الثراء السريع بل عندما تجعل من الكفاءة والإنتاج والإبداع الطريق الطبيعي للتقدم. ولذلك فإن تكريم المجتهد وربط الترقي بالكفاءة ومحاسبة المقصر ليست إجراءات إدارية فقط بل أدوات لبناء ثقافة اقتصادية سليمة..

وفي السنوات الأخيرة شهدت مصر توسعا كبيرا في مشروعات البنية الأساسية وتطوير المناطق العمرانية وتعزيز قدرات الدولة في مجالات متعددة. وهذه الإنجازات تمثل قاعدة مهمة للانطلاق نحو اقتصاد أكثر تنافسية. لكن قيمة هذه القاعدة ستتحدد بقدرتنا على بناء الإنسان الذي يديرها.ويحافظ عليها ويحولها إلى إنتاج وفرص عمل ونمو مستدام. فالمصنع الحديث يحتاج إلى عامل ماهر والطريق الجديد يحتاج إلى مستخدم يحترم القانون والاستثمار يحتاج إلى بيئة يسودها الانضباط والشفافية والإنتاجية..

وهنا يبرز دور الأسرة التي تغرس قيمة الاجتهاد منذ الصغر والمدرسة التي تعلم احترام الوقت قبل حفظ الدروس والجامعة التي تربط المعرفة بسوق العمل والإعلام الذي يسلط الضوء على النماذج الجادة بدلا من الاكتفاء بصناعة الشهرة. فثقافة العمل لا تبنى بقرار وإنما تتشكل عبر سنوات من التربية والتعليم والقدوة.

كما أن القطاع الخاص والقطاع العام يتحملان مسؤولية مشتركة في ترسيخ هذه الثقافة من خلال توفير بيئات عمل عادلة وتقدير الكفاءات.وتشجيع الابتكار وربط الحوافز بالإنتاج الحقيقي. فالإنسان الذي يشعر بأن جهده محل تقدير يكون أكثر استعدادا للعطاء وأكثر قدرة على الإبداع وأكثر ارتباطا بمؤسسته ووطنه..

إن الاقتصاد ليس مجرد أرقام في تقارير بل هو انعكاس مباشر لسلوك المجتمع. وكلما ارتفع مستوى الانضباط، والإتقان، واحترام الوقت، زادت الإنتاجية، وتحسنت الخدمات، وارتفعت القدرة على جذب الاستثمارات، وتعززت الثقة في بيئة الأعمال. ولهذا فإن ثقافة العمل ليست قضية أخلاقية فقط.بل ركيزة من ركائز الأمن الاقتصادي.

وفي النهاية قد تستطيع الحكومات أن تضع الخطط وأن توفر البنية الأساسية وأن تفتح أبواب الاستثمار لكن النجاح الحقيقي يبدأ عندما يؤمن كل فرد بأن جودة عمله ليست شأنًا شخصيا بل مساهمة في مستقبل وطن كامل. فالأمم لا تقاس فقط بما تمتلكه من موارد وإنما بما تمتلكه من إنسان يعرف قيمة العمل ويحترم الوقت ويؤمن بأن الإتقان ليس فضيلة إضافية بل واجب لا غنى عنه.. لهذا فإن معركة الاقتصاد الحقيقية لن تحسم في أسواق المال وحدها ولا في المؤتمرات الاقتصادية فقط بل ستحسم في كل مكان يؤدي فيه إنسان عمله بإخلاص. وهناك بعيدا عن الأضواء تكتب قصة التنمية الحقيقية وتصنع قوة الأوطان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى