
منذ أربعة أو خمسة عقود وأنا أستمع إلى تصريحات كثيرة تشير وتؤكد أننا في “عصر السرعة” مقارنة بالعصر السابق. بالطبع، فإن تعريف عصر ما بأنه عصر السرعة، وتكون فيه السرعة معرفة بالألف واللام، يعني أن السرعة معروفة ومحددة. والحقيقة أن الدقة تقتضي أن نشير إلى أن كل عصر “أسرع” من العصر السابق عليه. فعلى سبيل المثال، يعتبر عصر السيارات أسرع من عصر المركبات التي تجرها الخيول، وعصر الطائرات أسرع من السيارات. وهكذا، الأمر مشابه في الاتصالات، التي بدأت بالدخان والحمام الزاجل وصولًا إلى شبكات الجيل الخامس وما بعده، أو كابلات الألياف الضوئية والأقمار الصناعية التي تدور حول الكرة الأرضية بلا توقف.
لذلك، فإننا هذا العام قد نطلق عليه أيضًا “عصر السرعة”، ولكن الأدق أن نقول إنه عصر أسرع من سابقيه، وحتى الآن يعتبر أكثر العصور سرعة. ولا ندري ما تخبئ لنا التقنيات والأيام من سرعات واختراعات وابتكارات. ورغم هذا، فإن عصرنا هذا، بسرعته، أحدث نقلة وتغييرًا كبيرين في عقل الإنسان واستيعابه وقدرته على الانتباه والتركيز والحفظ والاسترجاع، وذلك في كل المجالات، وليس المجالات الدراسية والعمل فحسب. بالإضافة إلى عدم القدرة على حضور اجتماع يمتد لساعات، أو قراءة دراسة علمية مكونة من عدد كبير من الصفحات، أصبح من الصعب أيضًا مشاهدة عمل فني طويل. بالرغم من وجود مثل تلك النماذج، فإن مسلسلًا طويلاً أو فيلمًا يزيد على 100 دقيقة قد لا يحظى بالاهتمام والمشاهدة مثل مسلسل أو فيلم قصير.
هذا الأمر ينطبق أكثر على الكتابة، من روايات ومقالات وحتى منشورات منصات التواصل الاجتماعي. نجد أن التفاعل يزيد كلما قصر المنشور، ويا حبذا لو أضيفت إليه صورة إيضاحية، ويا حبذا لو لم يحتوي المنشور على أي كلمات على الإطلاق، بل تحول إلى فيديو قصير “Reel” لا يزيد على ثلاث دقائق بأي حال من الأحوال، مع إضافة العديد من عوامل الجذب والتأثير والإيضاح أيضًا.
تأتي صعوبة الأمر من عدم قدرة الكثير منا على الاختصار والإيجاز. أتذكر ما قيل عن السجال الذي دار بين أحمد رجب وعلي أمين، حتى وصل أحمد رجب إلى القدرة على إيجاز ما يريد أن يقوله في نص كلمة، أو ما أطلق عليه علي أمين “الأسلوب التلغرافي”، نسبةً إلى الجمل القصيرة التي تحتويها رسائل التلغراف عادة.
لذلك، يجب أن يتطور الجميع ويتمتعون بالمرونة المطلوبة. أن تكتب بإسهاب طالما سنحت الفرصة والمقام، وأن تعمد إلى الاختصار طالما استدعى الأمر ذلك. وأن تقوم بالدمج بين الأسلوبين في أغلب الأوقات لكي يعرف من لا يطيق القراءة ما ترغب في الإشارة إليه، وأن يستمتع من يرغب في الاستفاضة والاستزادة من التفاصيل التالية للاختصار التلغرافي.
سأعمد إلى الاختصار لسبب آخر، وهو أن خير الكلام ما قل ودل. اللغة الخشبية المنتشرة لا تسمن ولا تغني من جوع، لكنها تصيب الذهن بالتشتت والراس بالصداع. سأعمد إلى الاختصار أيضًا لأن ما قيل قد قيل من قبل، ولا داعي لإعادته مرة أخرى بنفس الاستفاضة، طالما الكثير من العقول لا تعي والكثير من الآذان لا تسمع… بالطبع إلا من رحم ربي.


