
ذات مرة سمعت طفلا يسأل والده عن شيء رآه في أحد المحال: بكام؟ لم يكن السؤال غريبا فالطفل يفعل ما يفعله أي طفل. لكنني توقفت عنده للحظة ليس بسبب السؤال وإنما بسبب الطريقة التي أصبحنا ننظر بها إلى أشياء كثيرة في حياتنا من خلاله بكام؟ سؤال صغير لكنه تمدد في حياتنا حتى أصبح حاضرا في كل شيء تقريبا بكام الهاتف بكام العربية؟ بكام الشقة؟بكام المدرسة؟ بكام السفر؟ بكام الهدية؟ حتى الوقت أصبح له سعر والإنسان أحيانا أصبح يقاس بما يستطيع أن يدفعه ولا مشكلة في أن نعرف الأسعار. بالعكس الإنسان المسؤول يعرف دخله وينظم مصروفه ويحسب احتياجات بيته، ويعرف أين يضع جنيهًا وأين يوفره.
المشكلة تبدأ في اللحظة التي نخلط فيها بين السعر والقيمة فالسعر رقم مكتوب على بطاقة أما القيمة فلا توجد على رف يمكنك أن تعرف ثمن ساعة اشتراها الأب لابنه، لكنك لن تعرف عدد الساعات التي قضاها الأب في العمل حتى يستطيع شراءها ويمكنك أن تعرف ثمن باقة ورد أُرسلت إلى أم في عيد ميلادها، لكنك لن تستطيع أن تحسب قيمة سنوات كاملة قضتها وهي ترعى أبناءها دون أن تنتظر منهم حسابا يمكنك أن تعرف تكلفة رحلة عائلية لكنك لن تجد فاتورة للحظة التي جلس فيها الأب إلى جوار ابنه واكتشف بعد سنوات من الانشغال أنه أصبح شابا ولم يعد ذلك الطفل الذي كان ينتظره عند باب البيت هنا تحديدا تبدأ الحكاية.
نحن نعيش في زمن يعرف فيه أبناؤنا أسعار الأشياء بصورة لم تعرفها أجيال سابقة. بضغطة واحدة يستطيع الشاب أن يعرف سعر هاتف في بلد آخر وأن يقارن بين عشرات السيارات وأن يرى أحدث الملابس والأجهزة والمطاعم .. المعلومة أصبحت متاحة، والأسعار لم تعد سرا لكن هناك شيئا آخر لا توفره لنا الشاشات بسهولة معرفة قيمة ما نملك وهذا فرق كبير أن تعرف أن الكتاب ثمنه مائة جنيه شيء وأن تعرف لماذا يمكن أن يغير هذا الكتاب طريقة تفكيرك شيء آخر.أن تعرف سعر درس خصوصي شيء وأن تعرف قيمة معلم ترك في ابنك أثرا سيبقى معه سنوات شيء آخر.
أن تعرف ثمن وجبة في مطعم شيء وأن تعرف قيمة مائدة تجمع الأسرة بعد يوم طويل شيء آخر المشكلة أننا أحيانا نربي أبناءنا على الحساب الأول ونترك لهم اكتشاف الحساب الثاني وحدهم نقول للطفل الفلوس مش سهلة وهذا صحيح لكننا نحتاج أيضًا أن نقول له: مش كل حاجة مهمة تتقاس بالفلوس لأن الطفل الذي يتعلم منذ صغره أن كل شيء له ثمن.قد يكبر وهو يظن أن كل شيء قابل للشراء وهنا لا يصبح الأمر متعلقا بالاستهلاك فقط وإنما بطريقة النظر إلى الناس أيضا. كم راتبه؟ساكن فين؟عنده عربية إيه؟
ابنه دخل كلية إيه؟ سافر فين؟ أصبح السؤال عن الإنسان أحيانا يمر من بوابة ما يملك قبل أن يصل إلى ما هو عليه.
وهذه ليست مشكلة الشباب وحدهم نحن الكبار مسؤولون عن جزء كبير من الصورة فالطفل لا يتعلم قيمة الأشياء من النصائح التي نقولها له بقدر ما يتعلمها من الطريقة التي نتعامل بها نحن معها إذا كان يسمع أباه يتحدث عن الناس من خلال وظائفهم ورواتبهم ويرى أسرته تقارن البيوت والسيارات والملابس ثم نطالبه بأن يكون مختلفًا، فنحن نطلب منه شيئًا لم نساعده على تعلمه نحن نعلمه المنافسة ثم نسأله لماذا لا يعرف الرضا نعلمه أن المهم أن يصل ثم نغضب عندما لا يهتم بمن حوله في الطريق نعطيه أحيانا كل ما نستطيع شراءه ثم نكتشف متأخرين أن ما كان يحتاجه فعلا لم يكن موجودا في أكياس المشتريات كان يحتاج وقتا.
جلسة .. سؤالا صادقا.. أبا يسمعه حتى النهاية دون أن ينظر إلى هاتفه.. وأما لا تجعل كل حديثها معه عن الدرجات والنتائج والمقارنة مع أبناء الآخرين. هذه الأشياء لا تكلف كثيرا لكنها أصبحت من أغلى ما نفتقده والأغرب أننا أصبحنا نعيش في زمن يمكن فيه للإنسان أن يشتري شيئا في دقيقة لكنه قد يحتاج سنوات حتى يستعيد علاقة أهملها.
يمكن أن تشتري هدية في طريقك إلى البيت لكنك لا تستطيع أن تشتري عمرا ضاع من ابنك يمكن أن تدفع فاتورة عشاء فاخر لكنك لا تستطيع أن تدفع مقابل جلسة عائلية كان يمكن أن تمنع خلافا كبيرا يمكن أن تغير أثاث البيت كله لكن لا يوجد متجر يبيع دفء البيت ولهذا أظن أن المعركة الحقيقية ليست مع الاستهلاك، ولا مع المال، ولا مع رغبة الناس في حياة أفضل المعركة مع فكرة أن الأشياء كلما غلا ثمنها زادت قيمتها فليست كل الأشياء الغالية مهمة وليست كل الأشياء البسيطة قليلة القيمة هناك أشياء ربما لا تلفت النظر لكنها تحمل عمرا كاملا قميص قديم احتفظ به شخص لأنه يذكره بأبيه كرسي خشبي في بيت ريفي جلس عليه الجد سنوات طويلة صورة عائلية لا تساوي شيئا في سوق الصور لكنها عند أصحابها أغلى من أشياء كثيرة رسالة ورقية كتبها شخص بخط يده قبل أن تصبح الرسائل مجرد إشعارات على الهاتف هذه الأشياء لا قيمة لها في ميزان السوق لكنها قد تكون أثمن ما يملكه الإنسان ولذلك ربما لا نحتاج أن نعلم أبناءنا كيف يرفضون المال وإنما كيف يضعونه في مكانه الصحيح فالمال وسيلة مهمة والعمل من أجل حياة أفضل أمر نبيل والنجاح المادي ليس تهمة.
لكن المشكلة أن يتحول المال من وسيلة إلى معيار وحيد.. أن يصبح السؤال الدائم: ماذا أملك؟ بدلا من ماذا أضيف؟
وأن يصبح الإنسان مشغولا طوال الوقت بإثبات أنه أفضل من غيره بدل أن يحاول أن يكون أفضل من نفسه التي كان عليها بالأمس جيلنا يحتاج إلى أبناء يعرفون سعر الأشياء نعم. لكن الأهم أن يعرفوا قيمة الإنسان الذي صنعها وقيمة اليد التي أعطتها وقيمة الوقت الذي بُذل من أجلها يعرفون أن الأب الذي يعود متعبا ليس مجرد شخص يدفع مصروف البيت وأن الأم التي تعيد ترتيب البيت للمرة الألف ليست مجرد شخص يقوم بواجب يومي وأن المعلم ليس مجرد اسم في جدول الحصص وأن العامل الذي نقابله كل صباح ليس جزءًا من المشهد وأن الجار الذي يطرق بابنا وقت الحاجة لا يمكن اختصار قيمته في خدمة قدمها لنا.
ربما نحتاج قبل أن نسأل أبناءنا في المرة القادمة: جبت كام؟ أو اشتريت بكام؟ أن نسألهم سؤالا أبسط: إيه الحاجة اللي خلت يومك النهارده أحسن؟ فقد تكون الإجابة شيئا لا يمكن شراؤه أصلا وفي نهاية الأمر سيكتشف الإنسان بعد سنوات أن بعض الأشياء التي ظل يجمع ثمنها طوال عمره لم تكن هي التي صنعت أجمل أيامه سيعرف أن هناك وجوها كانت أغلى من كل ما امتلك.وأن هناك وقتا ضاع منه لا يستطيع استعادته وأن هناك أشياء صغيرة مرّت أمامه دون أن ينتبه إليها لأنها لم تكن تحمل سعرا واضحا وهنا فقط نفهم الحقيقة التي ربما تأخرنا كثيرا في تعلمها: ليس أخطر ما في أن يعرف الجيل سعر كل شيء، أن ينسى قيمة الأشياء… بل أن يصل يوما إلى ما يستطيع شراءه كله ثم يبحث عن شيء واحد لا يباع عندها لن تنفعه بطاقة سعر ولا خصم ولا حساب بنكي سيبحث عن إنسان كان يجب أن يحتفظ به أو وقت كان يجب أن يمنحه أو كلمة كان يجب أن يقولها في موعدها والأشياء التي لا ننتبه إلى قيمتها وهي بين أيدينا غالبا لا نعرف ثمن فقدانها إلا بعد أن تصبح خارج متناولنا.


