كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| فرط هَرْي

إذا سألتَ طبيبًا نفسيًا عن مرض “فرط الحركة” عند الأطفال، سيشرح لك ببساطة أن الطفل يتحرك كثيرًا، غير قادر على التركيز، وينتقل من موضوع إلى آخر بلا توقف. لكن لو سألتني كمراقب لواقعنا الرقمي، فسأجيبك بأننا جميعًا مصابون بمرض أخطر: فرط الهَرْي. أجل، هو مرض العصر، ولا يحتاج إلى تحليل دم أو أشعة مقطعية لاكتشافه، بل يكفي أن تفتح الفيسبوك أو التيك توك لخمس دقائق فقط، لتتأكد أن الكوكب في ورطة حقيقية.

ها هو أحدهم يخرج في بث مباشر ساعةً كاملة ليتحدث عن “أول مرة اشترى شراب ليكرا”، وكأنه يروي ملحمة “الإلياذة”. وها هي أخرى تسجل فيديو مطولًا تشرح فيه مأساة “المكياج الذي لا يثبت في الحرّ”. وبينهما آخر يكتب مقالة مطولة عن تجربته الوجودية وهو يغلي المكرونة.

السؤال الجوهري ما الذي يجعل ملايين البشر يتركون أعمالهم وواجباتهم ليتابعوا مثل هذه “الإنجازات” بشغف كأنها اكتشاف لدواء السرطان أو حل لأزمات العالم؟ الجواب بسيط، إنه الإدمان، إدمان فرط الهَرْي. فإذا كان الطفل المصاب بفرط الحركة غير قادر على الجلوس دقيقة واحدة دون أن يقفز، فالإنسان المعاصر غير قادر على الصمت دقيقة واحدة دون أن “يهري”، أو على الأقل يستهلك “هريًا” يبثه آخرون.

الأدهى من ذلك أن الهري أصبح يُورَّث. فالأطفال لم يعودوا يحلمون بأن يكونوا أطباء أو طيارين، بل يصرح أحدهم بكل ثقة: “أريد أن أصبح يوتيوبر يهري في أي موضوع والسلام”.

وقد يُقال إن للهري بعض المزايا مثل أنه يقرب المسافات بين الشعوب، ويوفر مادة غنية للسخرية، ويساعد على مرور الوقت أسرع من القطار أو الصاروخ. ولكن الكارثة أن الناس باتوا يتعاملون مع كل تفاهة كأنها قضية وجودية. مقطع فيديو لقطة تعطس يصبح “ترندًا” عالميًا، بينما خبر علمي مهم يمر مرور الكرام أو حتى اللئام.

والأدهى أن للهري فروعًا متخصصة. هناك الهري السياسي حيث يمتلك كل شخص خطة لإصلاح العالم تبدأ بعلامة إعجاب وتنتهي بمعركة كلامية. وهناك الهري الرياضي حيث يتحول الجميع إلى لاعبين ومدربين ومخططين، أو الهري الرومانسي حيث يستمر صاحبه في نشر اقتباسات مكررة من أفلام قديمة على صور لغروب الشمس أو صورة الطفل الذي يبكي تحت زخات المطر مع تكرار عبارات مستهلكة عن الحب والمشاعر الرقيقة. هناك أيضًا الهري الفلسفي أو العميق وهو تكرار لعبارات من نوع “الحياة بحر ونحن أمواجه” أو “أنا زهرة في صحراء قاحلة”، أو مقولات لأشهر الكتاب والفلاسفة وغالبًا مقاطع من “أحلام فترة النقاهة” للعظيم نجيب محفوظ.

المصيبة الكبرى أنك لا تستطيع الهروب من هذا الداء. حتى لو أعلنت مقاطعتك لمواقع التواصل، ستجد نفسك في الشارع تستمع إلى نقاش طويل عن ما حاولت أن تتجنبه بالبعد عن تلك المواقع. باختصار: فرط الهري يطاردنا ويأتينا من كل حدب وصوب، ويبقى السؤال الفلسفي قائمًا يتردد: هل العيب في الذين يتحدثون بما لا يعلمون، أم في الذين يتابعون ذلك ويسارعون إلى علامات الإعجاب والتعليقات وإعادة النشر؟ في الحقيقة، الأمر أشبه بلعبة الكراسي الموسيقية: لا يوجد بريء. من يقوم بفعل الهري بحاجة إلى جمهور، والجمهور بحاجة إلى تسلية، والنتيجة أننا جميعًا نعيش داخل سيرك ضخم اسمه “شبكات التواصل الاجتماعي”.

خلاصة القول نحن في حاجة إلى وعي وإلى انتباه، ففرط الهري ليس مجرد مرض عابر، بل وباء عالمي. هو شبيه بفيروس كورونا، غير أنه لا يحتاج إلى كمامات. وعلاجه لن يأتي من الأطباء أو شركات الأدوية، بل من لحظة صدق يسأل فيها المرء نفسه: هل أريد أن أقضي المتبقي من حياتي في هذه الحلقة المفرغة أم يجب أن أقوم بأي شيء نافع؟ للأسف، سؤال جميعنا نعرف إجابته، ولكن القليل من يستطيع الانتقال من مرحلة المعرفة إلى مرحلة الفعل.. ربنا يستر.

بقلم
المهندس زياد عبد التواب

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى