كاتب ومقال

إبداعات كلمتنا| القميص السماوي ذو الخطوط الزرقاء

بقلم: د. أحمد شوقي كرماني

ذات يوم دخل عيادتي رجل يقاربني عمرًا. لم يكن فيه شيء استثنائي، أو هكذا بدا لأول وهلة. رجل عادي، بملامح عادية، يحمل تعبه في صمت، ويدخل على الطبيب كما يدخل الناس على احتمالاتهم الأخيرة: شيء من الخوف، وشيء من الرجاء، وكثير من التسليم.

لكنه كان يرتدي قميصًا سماوي اللون، ذا خطوط زرقاء.

وهنا توقفت الدنيا لحظة.

ليست الدنيا كلها بالطبع؛ فالممرض في الخارج كان ينادي على مريض آخر، والهاتف كان يرن، والساعة على الحائط كانت تواصل دقاتها البليدة، لكن دنياي أنا توقفت. هناك أشياء صغيرة لا تعرف كم تملك من سلطة علينا. قميص، رائحة عطر، مقطع أغنية، مقعد في ميكروباص، لون باب قديم. أشياء تظنها ماتت في الذاكرة، فإذا بها تنهض فجأة، وتمسك بتلابيب روحك، وتقول لك: أنا هنا.

ذكرني القميص بصديق سابق.

لا أدري لماذا أقول صديقًا سابقًا. هل تصبح الصداقة سابقة كما تصبح الوظيفة سابقة، أو العنوان سابقًا، أو رقم الهاتف قديمًا؟ هل يمكن أن يتحول الإنسان الذي كان بيتًا إلى ذكرى، والذي كان أخًا إلى اسم نسمعه مصادفة فنصمت؟ يبدو أن هذا يحدث. يحدث ببطء شديد، وبأدب جارح، حتى لا تنتبه إلا بعد أن يكون كل شيء قد انتهى.

كنا إخوة. أو هكذا كنا نؤمن.

كان يشتري من القميص اثنين؛ واحدًا له، والآخر لي. كان يرى الشيء في السوق فيقول في نفسه: هذا لنا. لا له وحده. كانت هذه الكلمة وحدها تكفي لتفسير كل شيء. لنا. كنا نذاكر معًا، نلهو معًا، نبكي معًا، نضحك من أسباب لا تضحك أحدًا سوانا. كنا نملك نفس الطباع تقريبًا، ونفس الأمزجة، ونفس الغضب السريع الذي يبرد بكلمة، ونفس الأحلام التي كانت أكبر من جيوبنا بكثير.

لم نكن نسخة واحدة. كل منا كان له كيانه، وعناده، وخوفه، وكرامته الصغيرة. لكننا فعلنا ما لا يفعله كثير من الناس: تنازل كل منا قليلًا، وتقابلنا في المنتصف. وهناك، في تلك المسافة العادلة بين ذاتين، نشأت الصداقة.

جعلته حبيبًا وأخًا وصديقًا. وهذه رتبة خطيرة، لا ينبغي أن نعطيها لبشر بسهولة، لكننا حين نكون صغارًا نظن أن القلوب خُلقت لتُعطى كاملة. لا نعرف بعد أن القلب إن أُعطي كله عاد صاحبه يمشي في الدنيا بصدر فارغ.

كنت أغادر دنياي وأذهب إليه. كأن له عندي وطنًا بديلًا. كنت أقول في نفسي: أخوة صادقة تعدل الدنيا وما فيها. وكنا، على فقر جيوبنا، أعزة النفوس. لم تكن معنا أموال، لكن كان معنا ذلك الغنى الغريب الذي يمنحه الأمل. كنا نصدق أننا سنصل، وأن السعي النبيل لا بد أن يثمر، وأن التعب إذا طال صار له معنى.

وما كانت بغيتنا عظيمة كما يظن الناس.

لم نكن نريد قصورًا، ولا أسماء لامعة، ولا مقاعد أمامية في الدنيا. كنا نريد لحظة هادئة وسط صخب لا ينتهي. نريد مريضًا يشفى، فنشعر أن الله منحنا عونًا على المريض التالي. نريد دعوة صادقة من قلب موجوع عاد إليه شيء من العافية. وكنا نقول في سرنا: لعلها المنجية.

ثم كبرنا.

والكبر لا يأتي دفعة واحدة. لا تستيقظ ذات صباح فتجد أنك صرت غريبًا عن رفاقك. الأمر أهدأ من ذلك وأشد قسوة. يوم لا تتصل. يوم لا يسأل. أسبوع يمضي. شهر يضيع. عذر وراء عذر. سفر. عمل. إرهاق. زواج. مسؤوليات. ثم تجد أن الصمت صار عادة، وأن العتاب صار ثقيلًا، وأن العودة تحتاج إلى شجاعة لا يملكها الطرفان.

وذات يوم، كنت في ميكروباص شبه نائم. ذلك النوم الخفيف الذي لا هو نوم ولا هو يقظة، حيث تتداخل الوجوه مع الزجاج، وأصوات الباعة مع أزيز المحرك، والروح مع غبار الطريق. توقف الميكروباص فجأة، فتحت عيني نصف فتحة، ولمحت شخصًا ينزل من ميكروباص أخرى.

لم ألمح وجهه.

لم أرَ عينيه ولا مشيته ولا ابتسامته.

رأيت القميص فقط.

القميص السماوي ذو الخطوط الزرقاء.

خفق قلبي كأنه عرف قبل عينيّ. قلت في نفسي: أهو الحبيب؟ أهو أخي؟ أهو الرجل الذي كان يشتري من القميص اثنين؟ كيف لا أعرفه؟ كيف تمر الروح من أمام الروح ولا ترفع يدها بالتحية؟

لم أصدق الأمر. عددته حلمًا صغيرًا من أحلام المواصلات، تلك الأحلام التي تولد وتموت بين محطتين. قلت لنفسي إن الذاكرة تخدعني، وإن القمصان تتشابه، وإن الأشواق تصنع وجوهًا من الهواء. لكن شيئًا في داخلي ظل قلقًا، كمن رأى طيفًا ولم يجرؤ على مناداته.

بعد أيام اتصل بي.

قال إنه وصل من سفره، وإنه سيعاود السفر ثانية بعد يوم واحد.

تلقيت الجملة كمن يتلقى خبرًا عاديًا ثم يكتشف بعد لحظة أنه صفعة. كل هذه الأيام هنا ولم يتصل. كان في المدينة نفسها، يتنفس هواءها، يمشي في شوارعها، ربما مرّ قريبًا مني، وربما كان هو فعلًا صاحب القميص الذي رأيته، ومع ذلك لم أعرف. لم يخبرني. لم يقل: أنا هنا. لم يقل: تعال. لم يقل: اشتقت إليك.

كنا صغارًا.

هذه الجملة وحدها تفسر كثيرًا من خراب القلب. كنا صغارًا حين ظننا أن الود إذا صدق لا يتغير، وأن الأخ إن صار أخًا لا يعود غريبًا، وأن الذين بكوا معنا مرة لن يفرحوا بعيدًا عنا دون أن يخبرونا. كنا شديدي الوداعة. نحمل قلوبًا لا خبرة لها بالخسائر، وشموسًا وأقمارًا داخل الصدر. كنا نظن أن النور الذي فينا يكفي لإضاءة الطريق كله.

ذهبت إليه مسرعًا.

لم أفكر في العتاب أولًا. كان الشوق أسرع من الكرامة. هناك لحظات يركض فيها الإنسان نحو من آذاه، لا لأنه نسي الألم، بل لأنه لم يتعلم بعد كيف يقدم نفسه على حنينه.

وجدت عنده أصحابًا جالسين. لم أعرفهم جيدًا، لكنني من فرط حبي له جعلتهم أصحابي. ابتسمت لهم، وصافحتهم، وجلست بينهم كأنني جزء من المشهد، بينما كنت في الحقيقة ضيفًا على حكاية لم أعد أعرف تفاصيلها.

ثم رأيت القميص.

كان معلقًا على شماعة بالجدار.

القميص السماوي ذو الخطوط الزرقاء.

إذن كان هو. كان هو الذي لمحته ينزل من الميكروباص. كان قريبًا إلى هذا الحد، وبعيدًا إلى هذا الحد. والمسافات الحقيقية ليست بين شارع وشارع، بل بين قلب كان يعرف أنه سيُخبر بكل شيء، وقلب صار يعرف بالمصادفة.

ثم قال لي إنه تزوج.

هنا جاءت اللطمة كما ينبغي.

ليس لأنه تزوج؛ فالزواج فرح، والفرح لا ينبغي أن نحزن له. بل لأنه تزوج ولم أعلم. أخي وصديقي وحبيبي يدخل بابًا كبيرًا من أبواب حياته، وأنا خارجه. لا أدري. لا أبارك. لا أفرح معه. لا أقف إلى جواره. لا أكون شاهدًا على يومه.

في تلك اللحظة تقازمت فرحتي باللقاء. صغرت حتى لم تعد تُرى. كان قلبي قد جاء محملًا باللهفة، فاستقبلته جفوة هادئة لا تعتذر. شعرت كأن أمطارًا غزيرة تهوي داخلي، أمطارًا ترعد، وثلوجًا تطفئ ما تبقى من دفء الشوق.

لطالما وعينا الدرس وإن لم نعانه.

نقول دائمًا: الضربة تأتي من موضع الثقة. والخيانة تأتي من مكمن الأمن. ونردد هذه العبارات كأننا حكماء، حتى تقع علينا، فنكتشف أننا لم نفهم منها شيئًا. فالمعرفة قبل الألم شيء، وبعد الألم شيء آخر. كل الناس يعرفون أن النار تحرق، لكن من مد يده فيها وحده يعرف معنى الاحتراق.

ومع ذلك، حين هدأت قليلًا، بدأت أسأل نفسي أسئلة موجعة.

لماذا هذا التعلق الزائد؟ لماذا هذه المبالغة في حب بشر مثلي؟ لماذا أردت منه أن يظل ثابتًا كجبل، وأنا نفسي متقلب كغيمة؟ لماذا طالبت قلبه بما لا أضمنه من قلبي؟ ألم يكن له حق أن يعيش بعيدًا، أن يتغير، أن يختار، أن ينسى، أن ينشغل، أن يعبر إلى حياة لا أكون أنا في مقدمتها؟

نحن نظلم من نحب حين نطلب منهم أن يبقوا كما تركناهم.

نريدهم محفوظين في الذاكرة كما هم، لا يتزوجون إلا ونحن نعلم، ولا يسافرون إلا ونحن أول من يودع، ولا يفرحون إلا ونحن في الصورة. نريد لهم حياة كاملة، بشرط أن تظل تدور حولنا في زاوية ما. نسمي هذا حبًا، وقد يكون بعضه حبًا فعلًا، لكن فيه أيضًا شيئًا من تملك خفي، شيئًا من أنانية ترتدي ثياب الوفاء.

انسحبت من اللقاء مهزومًا.

لم أتشاجر. لم أقل له ما كان يملأ صدري. أحيانًا يكون الإنسان أضعف من أن يطالب بحقه في الألم. خرجت وأنا أجر خلفي سنوات كاملة. فكرت في الأمر كثيرًا، أيامًا وليالي، وكنت كلما أدنته برأته، وكلما برأته عدت فأدنته.

ثم وصلت إلى أن الأمر بسيط ومعقد في آن واحد.

هو لم يخطئ كما يخطئ الخائنون في القصص الكبيرة. لم يطعنني عمدًا، ولم يقف يومًا ليقرر أن يمحو اسمي من حياته. لكنه جاوز الصواب. نسي أن هناك قلوبًا لا ينبغي أن تعرف أفراحنا مصادفة. نسي أن بعض الأخبار ليست معلومات، بل مواثيق. نسي أن الصديق القديم لا يطلب مقعدًا في حياتك كلها، لكنه يتألم حين يكتشف أنه لم يعد يستحق حتى رسالة.

ورغم ذلك، تراجعت علاقتنا.

لم يحدث قطيعة معلنة. لا شتائم، لا أبواب تُصفق، لا رسائل طويلة، لا مشهد درامي تحت المطر. فقط تراجعنا خطوة، ثم خطوة، ثم صار بيننا ممر طويل من الصمت. انشغل كلانا في حياته. هو بحياته الجديدة، وأنا بعملي ومرضاى وخيبتي الصغيرة التي لم أكن أحب أن أعترف بها.

وكنت أحاور نفسي كثيرًا في هذا الأمر.

لطالما حكمت عليه بالخطأ. حملته كل شيء: بعدنا، جفوتنا، هذا البرود الذي صار بيننا، هذا التحول الغامض من الأخوة إلى المجاملة. كنت أقول: هو الذي بدأ. هو الذي لم يخبرني. هو الذي تزوج دون أن يعلمني. هو الذي ترك القميص يسبق صوته.

ثم، بعد زمن، رأيت أنني كنت مجافيًا للحق.

نعم، أخطأ. لكن البعد لم يكن قراره وحده. البعد قرار أخذناه سويًا. هو ابتعد حين لم يخبرني، وأنا ابتعدت حين جعلت جرحي أوسع من الطريق إليه. هو سكت، وأنا عاقبته بصمت أطول. هو انشغل، وأنا احتميت بكرامتي. وهكذا تبنى المسافات: لا بحجر واحد، بل بحجرين؛ واحد يضعه هذا، وآخر يضعه ذاك، ثم نقف بعد سنوات أمام الجدار ونسأل بدهشة: من بناه؟

تعلمت الدرس جيدًا، أو ظننت أنني تعلمته.

صرت أكرره حتى يملأ قلبي:

لا تتعلقوا بالأشياء، فإنما هي أشياء.

لا تتعلقوا بالبشر، فالقلوب متقلبة.

لا تجعلوا من أحد وطنًا كاملًا، فالناس مرافئ، لا أوطان. لا تسلموا مفاتيح أرواحكم كلها ليد واحدة، مهما كانت حنونة. لا تضعوا سعادتكم في جيب إنسان قد ينسى الجيب في قطار الحياة ويمضي. أحبوا، نعم، فالحب رحمة. لكن أحبوا وأنتم تعرفون أن كل قلب بين إصبعين من أصابع الغيب، وأن من قال لك اليوم: أنت أخي، قد لا يكذب، لكنه قد يتغير غدًا دون أن يقصد.

والحكمة الصوفية تقول إن التعلق حجاب. كل ما تعلقت به حجبك، حتى لو كان جميلًا. تتعلق بالوجه، فيحجبك عن صاحب الوجه. تتعلق بالصديق، فيحجبك عن معنى الصحبة. تتعلق بالذكرى، فتحجبك عن الحاضر. تتعلق بالألم، فيحجبك عن المغفرة.

ومع ذلك، ما أصعب ألا نتعلق.

نحن بشر. قلوبنا ليست حجارة مصقولة في خانقاه، ولا أرواحنا طيورًا خفيفة تحلق فوق الدنيا بلا أثر. نحن نحب، ونغار، وننتظر، ونعدّ الأيام، ونفرح برسالة، وننكسر من تجاهل. نعلم أن التعلق يؤذينا، ثم نتعلق. نعلم أن البشر يتغيرون، ثم نطلب منهم الثبات. نعلم أن الدنيا دار مرور، ثم نفرش فيها قلوبنا كأنها دار إقامة.

كنت أشتاق إلى سماع أخبار صديقي.

وكنت أكره سماع أخبار صديقي.

وكنت لا أبالي بسماع أخبار صديقي.

وهذه المراحل الثلاث لم تكن متتابعة كما تبدو. كانت تختلط في اليوم الواحد. أشتاق إليه في الصباح، أكرهه قليلًا عند الظهر، أزعم أنني لا أبالي في المساء، ثم أفكر فيه قبل النوم. القلب لا يسير في خط مستقيم. القلب شارع قديم، فيه منعطفات كثيرة، ومصابيح معطلة، وأبواب تفتح على بيوت هُجرت منذ زمن.

أحيانًا كنت أتخيله سعيدًا، فأفرح له بصدق. ثم أتخيله سعيدًا دون أن يتذكرني، فأحزن. ثم أعاتب نفسي: أليست هذه أنانية؟ أتريد له أن يكون سعيدًا بشرط أن يمر اسمي في قلبه؟ ثم أعود وأقول: لا، إنما أريد فقط ألا أكون قد صرت لا شيء.

وهذه هي قسوة الصداقات القديمة. ليست أنها تنتهي، بل أنها لا تنتهي تمامًا. تبقى معلقة في مكان ما بين القلب والذاكرة. لا تستطيع أن تعود كما كانت، ولا تستطيع أن تموت كما ينبغي. تراها أحيانًا في قميص سماوي، أو في شارع قديم، أو في خبر زواج، أو في ضحكة تشبه ضحكة مضت.

دخل المريض صاحب القميص إلى عيادتي، وجلس أمامي، وبدأ يشرح شكواه. كنت أومئ برأسي، وأسأله أسئلة الطبيب المعتادة، لكن شيئًا داخلي كان يجلس في غرفة أخرى، مع شابَّين فقيرين، يذاكران تحت ضوء ضعيف، ويحلمان بأن ينقذا العالم مريضًا بعد مريض.

انتهيت من الكشف، وكتبت العلاج، وناولته الورقة. شكرني الرجل وخرج.

بقي القميص في الغرفة بعد خروجه.

بقي اللون السماوي معلقًا في الهواء. بقيت الخطوط الزرقاء كأنها قضبان رفيعة لذاكرة قديمة. جلست وحدي لحظة، وقلت لنفسي: ما أغرب هذا العمر. نظن أننا تجاوزنا شيئًا، فإذا بقميص يعيده كاملًا. نظن أن الجرح التأم، فإذا بظل عابر يلمسه فينزف قليلًا، لا كثيرًا، لكن بما يكفي لنعرف أنه ما زال هناك.

لم أعد غاضبًا كما كنت. وربما لم أعد بريئًا كما كنت أيضًا. صار في داخلي فهم أوسع، لكنه ليس أرحم دائمًا. فهمت أن الناس لا يغادروننا لأننا لا نستحق البقاء بالضرورة. أحيانًا يغادرون لأن الحياة أخذتهم. وأحيانًا لأنهم جبنوا عن العتاب. وأحيانًا لأنهم لم يعرفوا حجم مكانهم فينا. وأحيانًا لأننا جعلنا مكانهم أكبر مما يحتملون.

وفهمت أن الصداقة، مهما كانت صادقة، لا تعفي أصحابها من قوانين البشر. تحتاج إلى رعاية. إلى سؤال. إلى حضور. إلى أن تقول لمن تحب: أنا هنا، قبل أن يضطر إلى معرفتك من قميص عابر في زحام المواصلات.

لكنني فهمت أيضًا أن الإنسان لا ينبغي أن يقيم محكمة أبدية لكل من خذله. فكلنا خذلنا أحدًا بطريقة ما. كلنا تأخرنا في اتصال، ونسينا خبرًا مهمًا، وانشغلنا عن قلب كان ينتظرنا، ثم قلنا لأنفسنا: سيعذرنا. كلنا كنا في قصة أحدهم ذلك الشخص الذي لم يخبر، ولم يسأل، ولم يأتِ.

لذلك لم أعد أبحث عن إدانته وحده.

أدعو له أحيانًا. لا دعاءً طويلًا، ولا بدافع مثالية زائفة. فقط تمر صورته في قلبي فأقول: يا رب، اجعله بخير. ثم أعود إلى يومي. وربما هذه هي الصيغة الناضجة للحب القديم: أن تتمنى الخير لمن لم يعد قريبًا بما يكفي لتعرف أخباره، ولم يعد بعيدًا بما يكفي لتكف عن الدعاء له.

كنا صغارًا.

كنا نعتقد أن القميص الواحد إذا اشتريناه اثنين صار عهدًا. وأن البكاء معًا عقد لا ينقض. وأن من عرف فقر جيبك وعزة نفسك لن يغيب عن أفراحه دونك. كنا نظن أن القلوب إذا تقابلت في المنتصف ستظل هناك، لا يزحزحها سفر ولا زواج ولا مسؤولية.

ثم كبرنا، فعرفنا أن المنتصف مكان صعب. يحتاج أن يمشي إليه الاثنان كل يوم. إن توقف أحدهما، تعب الآخر. وإن جلس الاثنان، ابتلعتهما المسافة.

ومع ذلك، لا أندم.

لا أندم أنني أحببته بهذا القدر. لا أندم أنني جعلته أخًا وحبيبًا وصديقًا. لا أندم على القميصين، ولا على المذاكرة، ولا على اللهو، ولا على الدموع، ولا على الأحلام الفقيرة النبيلة. فالذي يحب بصدق لا يخسر كل شيء، حتى لو خسر صاحبه. يبقى له أنه عرف يومًا كيف يكون قلبه واسعًا.

لكنني تعلمت أن أترك بابًا صغيرًا في القلب للهواء.

تعلمت ألا أغلق روحي على أحد. ألا أقول لإنسان: كن كل عالمي. فهذا ظلم له ولي. تعلمت أن أحب وفي يدي مسبحة من الوعي، أردد في سري: هو عبد مثلي، ينسى كما أنسى، يتغير كما أتغير، يضعف كما أضعف. فإن بقي فبفضل الله، وإن رحل فبإذن الله، وما بين الفضل والإذن تسكن حكمة لا أفهمها كلها.

القميص السماوي ذو الخطوط الزرقاء لم يكن قميصًا في ذلك اليوم.

كان رسولًا من زمن مضى. جاء إلى عيادتي متخفيًا في جسد رجل لا يعرف شيئًا عن حكايتي. جلس أمامي دقائق، ثم خرج، وترك لي درسًا جديدًا في الفقد الهادئ.

نحن لا نفقد الناس مرة واحدة. نفقدهم على دفعات. مرة حين لا يتصلون. مرة حين نعرف أخبارهم من غيرهم. مرة حين نفرح لهم فلا نجد مكانًا لفرحتنا. مرة حين نكتشف أننا كنا نحفظ تفاصيل لم يعودوا يذكرونها. ومرة أخيرة حين نغفر لهم، لا لأن ما حدث كان هينًا، بل لأن حمله صار أثقل من قدرتنا.

وفي آخر الأمر، لا يبقى من الحكاية إلا هذا:

كنا صغارًا.

وكانت قلوبنا أكبر من خبرتنا.

وكان لنا قميص سماوي ذو خطوط زرقاء، اشتريناه مرتين، فظنناه سيكفي لستر العمر كله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى