كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| قبل أن يفوت الأوان.. مرة أخرى

بقلم: شحاتة زكريا

هناك لحظات في حياة الأمم لا تقاس بالسنوات وإنما تقاس بالقرارات التي تتخذ فيها ، وبالوعي الذي يحكمها وبالقدرة على قراءة المستقبل قبل أن يتحول إلى واقع مفروض. وفي مثل هذه اللحظات يصبح التأخر في الفهم خسارة والتردد في التصحيح مخاطرة والسكوت عن الأخطاء عبئا تتحمله الأجيال القادمة. لذلك لا يبدو عنوان هذا المقال مجرد صيحة تحذير بل دعوة صادقة إلى مراجعة الذات قبل أن تتسع الفجوة بين ما نأمله وما نصنعه بأيدينا.

فالتاريخ لا يمنح الفرص بلا نهاية والزمن لا ينتظر من يتردد ولهذا يبقى النداء حاضرا: قبل أن يفوت الأوان… مرة أخرى.. ليست المشكلة في أن المجتمعات تخطئ فالأخطاء جزء من طبيعة البشر ولكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الخطأ إلى عادة والإهمال إلى سلوك واللامبالاة إلى ثقافة. عندها يصبح الإصلاح أكثر صعوبة ليس لأن الإمكانات غابت وإنما لأن الإرادة تراجعت ولأن الشعور بالخطر لم يعد حاضرا كما ينبغي.. كم من فرصة ضاعت لأن أحدهم قال: لا بأس الأمر بسيط. وكم من أزمة تضخمت لأن الجميع ظن أن غيره سيتحمل المسؤولية. وهكذا تبدأ المشكلات صغيرة ثم تكبر بصمت حتى تصبح واقعا يصعب تجاوزه. إنها ليست حكاية مجتمع بعينه بل سنة من سنن الحياة فما يُهمل اليوم يدفع الجميع ثمنه غدا…

لقد أصبح العالم يتحرك بسرعة غير مسبوقة. تتغير الاقتصادات وتتطور التكنولوجيا وتتبدل موازين القوى وتعاد صياغة مفاهيم العمل والتعليم والإنتاج. وفي خضم هذا التسارع لم يعد هناك مكان لمن يكتفي بالمشاهدة أو يظن أن الزمن سيمنحه فرصة جديدة كلما تأخر. الأمم التي أدركت ذلك استثمرت في الإنسان وفي المعرفة وفي الوعي فسبقت غيرها بخطوات. أما التي استسلمت للجمود فقد وجدت نفسها تركض خلف المستقبل دون أن تدركه.. وأمام هذا المشهد يصبح الوعي هو خط الدفاع الأول.

فالوعي ليس ترفا فكريا ولا شعارا يرفع في المناسبات بل هو القدرة على التمييز بين الحقيقة والشائعة وبين النقد البنّاء والهدم وبين الاختلاف المشروع ومحاولات بث الإحباط. فكم من مجتمع لم تهزمه الأزمات لكنه تعثر عندما فقد بوصلته الفكرية وأصبح أسيرا للأخبار المضللة والانفعالات السريعة.. ولا يقل عن ذلك أهمية الإحساس بالمسؤولية. فالوطن لا يُبنى بالخطابات وحدها وإنما بالسلوك اليومي. يبدأ البناء من موظف يحترم وقت عمله ومعلم يؤدي رسالته بإخلاص وطبيب يضع ضميره قبل أي اعتبار وعامل يتقن صنعته وتاجر يرفض الغش وشاب يدرك أن مستقبله جزء من مستقبل وطنه. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الصورة الكبيرة وهي التي تمنح المجتمعات قدرتها على الاستمرار..

إننا أحيانا ننشغل بانتقاد الآخرين بينما نغفل عن سؤال أكثر أهمية: ماذا قدم كل واحد منا؟ فليس من العدل أن نطالب بمجتمع مثالي ونحن نتسامح مع أخطائنا اليومية. ولا يمكن أن ننتظر نتائج مختلفة إذا ظلت الممارسات نفسها تتكرر دون مراجعة أو تصحيح.

ومن المؤكد أن الدولة تتحمل مسؤولياتها في التخطيط والتنمية وتسعى إلى تطوير البنية الأساسية، وتحسين الخدمات وتنفيذ مشروعات تدعم مستقبل الوطن. لكن هذه الجهود مهما بلغت ضخامتها تحتاج إلى شريك واع يحافظ عليها ويؤمن بأن التنمية ليست مهمة الحكومة وحدها بل مسؤولية مجتمع بأكمله. فالمباني يمكن تشييدها في سنوات أما بناء الإنسان الواعي فيحتاج إلى جهد متواصل وثقافة راسخة..

ولعل الأسرة تبقى البداية الحقيقية لكل إصلاح. ففيها يتشكل الضمير ويتعلم الطفل معنى الأمانة واحترام القانون والانتماء.وتحمل المسؤولية. ثم يأتي دور المدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية لتكتمل منظومة بناء الوعي فلا ينشأ جيل يحفظ المعلومات فقط بل جيل يعرف كيف يفكر وكيف يختار وكيف يحمي وطنه من الداخل.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو الاعتياد. أن نعتاد الفوضى حتى تبدو طبيعية وأن نعتاد الإساءة حتى لا تستفزنا وأن نعتاد التقصير حتى يصبح جزءا من المشهد اليومي. فالأمم لا تتراجع بقفزة واحدة وإنما بخطوات صغيرة لا ينتبه إليها أحد حتى يصبح الرجوع أكثر صعوبة.

وربما لهذا السبب كان التحذير دائما سابقا للعلاج. فالعاقل لا ينتظر انهيار الجدار حتى يبدأ في ترميمه ولا يؤجل مواجهة المشكلة حتى تستحكم. والنجاح الحقيقي لأي مجتمع لا يقاس بقدرته على علاج الأزمات فقط بل بقدرته على منعها قبل وقوعها.. إن المستقبل لا يهدى لأحد بل يُنتزع بالعمل ولا تصنعه الأمنيات بل تصنعه العقول التي تؤمن بأن الوقت هو أغلى ما تملكه الأمم. وكل يوم يمر دون استثمار في الإنسان وفي العلم وفي الأخلاق وفي احترام القانون هو يوم يبتعد فيه المستقبل خطوة أخرى.. ويبقى الأمل حاضرا ما دام هناك من يؤمن بأن الإصلاح ممكن، وأن التغيير يبدأ من الإنسان قبل المؤسسات ومن الضمير قبل القوانين ومن الفكرة قبل القرار. فالأوطان التي تمتلك شعبا واعيا لا تخشى المستقبل لأنها تعرف أن أصعب التحديات يمكن تجاوزها عندما تتحد الإرادة مع العمل..

ولهذا فإن الرسالة التي ينبغي أن تبقى في أذهاننا ليست دعوة إلى الخوف بل دعوة إلى المبادرة. أن نصحح قبل أن تتراكم الأخطاء وأن نبني قبل أن تزداد الفجوات وأن نتمسك بقيم العمل والانتماء والوعي قبل أن ندرك بعد فوات الوقت أننا أضعنا فرصة كان يمكن أن تصنع الفارق.. وقبل أن يفوت الأوان… مرة أخرى فلنجعل من كل يوم فرصة جديدة للإصلاح ومن كل خطوة صادقة لبنة في بناء وطن يستحق أن نقدمه للأجيال القادمة أكثر قوة وأكثر وعيا وأكثر قدرة على مواجهة المستقبل بثقة وأمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى