كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| أرجوك لا تتوقف عن القراءة

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

لا أعرف تحديدًا متى عرفت أن القراءة هي التي شكلت معارفي وقناعاتي أكثر من كل تجارب الحياة التي مررت بها. للأسف، في فترة من فترات الشباب الأولى، توقفت عن القراءة لاعتقادي بأن الحياة هي المدرسة الكبيرة، ثم اكتشفت بعد ذلك أن القراءة هي المدرسة الأكبر. ففي الكتب نجد خلاصة خبرات الكتاب في كافة المجالات، حتى الروايات نجد فيها حكمة وخبرة، بالإضافة طبعًا إلى الاستمتاع بأسلوب الكاتب.

عرفت أيضًا أن الفرق بين قارئ وآخر هو فرق بين من يمر على الكلمات مرور الكرام، ومن يتوقف ليُستخرج منها المعرفة والحكمة، وهي نتيجة احتجت إلى وقت طويل للوصول إليها. فمع كل كتاب قرأته منذ عقود ثم لسبب أو لآخر أعيد قراءته، أجد أنني استقبله بروح جديدة وبعقل مختلف.

اكتشفت أيضًا أن قراءة التاريخ ليست ترفًا، ربما أجدها هي القراءة الأهم، فالنفس البشرية واحدة في دوافعها وطموحاتها وشهواتها، ولذلك فإن البشر يكررون المشاعر والأحداث. فما شعر به الأجداد نشعر به أيضًا، ولذلك ففي كل تاريخ معاصر نجد أمثلة وتشابهًا مع تاريخ قديم، وهو أمر لا يجب أن يتم بصورة مباشرة أو سطحية أو تصديق دون النظر لما كتب من قبل. ولذلك فإن مهنة المحقق، التي كنت لا أراها ذات أهمية، أراها اليوم هي الأهم. وبصفة عامة، أستطيع أن أقول إن القراءة ليست ترفًا، بل ضرورة كالهواء والماء. فهي التي تعلمنا التعاطف من خلال حكايات الآخرين، والصبر من خلال صفحات التاريخ، والأمل من خلال سير العظماء. هي البوصلة في بحر الحياة الهائج، والخريطة التي ترشدنا في متاهة الوجود.

قبل انعقاد الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب، أعلنت وزارة الثقافة، متمثلة في الهيئة المصرية العامة للكتاب، عن شعار المعرض هذا العام ليكون “من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونًا”. وهو شعار قابله الوسط الثقافي ببعض الجدل حول مدى الدقة أو المبالغة فيه، ولكن، وللأمانة، فإن من يتوقف عن القراءة ساعة لا يتأخر في تحصيل المعلومات فقط، بل يتأخر عن فهم ذاته وعن فهم العالم من حوله، خاصة في ظل هذا التغير السريع في كافة المجالات، وهو ما نراه ونلمسه كل دقيقة عبر المنصات الرقمية ووكالات الأنباء وتطبيقات التواصل الاجتماعي المتعددة. أما من يواصل القراءة، فيرث كنوز الحضارة كلها، ويصبح سليل كل العقول العظيمة التي سبقته. ولا أقصد هنا الاطلاع أو القراءة عبر المنصات الرقمية، فمع كامل احترامي لها، إلا أن أسلوب العرض بها لا يعطي العمق المطلوب في أي مجال من المجالات. ما أتحدث عنه هو القراءة بأسلوبها التقليدي، فالأسلوب الحديث يحمل في طياته الكثير من التبسيط المخل.

نصيحة في النهاية، لن أقول اقرأ كي تصبح غنيًا أو مشهورًا، بل اقرأ كي تصبح إنسانًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. اقرأ لأن في القراءة حيوات مضاعفة، وأعمار متعددة، وعوالم لا تنتهي. اقرأ لأن الكتب كانت، وستبقى، خير جليس في كل زمان ومكان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى