كاتب ومقال

ما تسرقه الأيام بصمت.. عن التغيير الذي لا نلاحظه

بقلم: شحاتة زكريا

لست ممن يؤمنون بأن الأيام تتغير فجأة ولا أرى أن الزمن يباغتني بضربات كبرى توقظني من نوم عميق فالحياة لا تتغير على طريقة الأفلام السينمائية بزلزال مفاجئ يعيد ترتيب المشهد بين عشية وضحاها. الحقيقة أبسط وأقسى بكثير الحياة تتغير على مهل تماما كالنحت بالماء في الصخر قطرة إثر قطرة، بلا ضجيج، وبلا إنذار مبكر. والمشكلة الحقيقية تلك التي نكاد لا نلتفت إليها أبدا ليست في أن الحياة تتغير وتتبدل ظروفها ووجوهها ومواعيدها بل في ألا ننتبه أبداً إلى ما تفعله بنا نحن من الداخل وكيف تعيد صياغة أرواحنا وملامحنا الداخلية ونحن نركض خلف لقمة العيش وتفاصيل اليوم المزدحم. تأمل سويا روتينك العادي. هل تتذكر متى كانت المرة الأخيرة التي جلست فيها مع نفسك وحدك بلا هاتف يطن ولا شاشة تضيء ولا فكرة طارئة تقفز في رأسك عن الغد وقلقه؟ نحن نتحرك في زحام الأيام كمن يعبر طريقا سريعا معصوب العينين ندرك أن المشهد حولنا يتغير وأن السيارات المسرعة تتبدل وأن الأسفلت يتشقق أحيانا لكننا لا نكلف أنفسنا عناء النظر في المرآة لنرى كم تغيرت ملامحنا نحن وكم من الأشياء الجميلة التي كنا نؤمن بها سقطت منا على جانبي الطريق دون أن نلتقطها. في الماضي كنا نبكي لأسباب تافهة ونراها عظيمة وكنا نفرح بأقل القليل ونراه كافيا لنطير من السعادة. كنا نملك وقتا كافيا لنصغي إلى حكاية عجوز أو لنطيل النظر في غروب الشمس دون أن يحسب أحدنا تكلفة هذا الوقت الضائع. ثم تدحرجت بنا عجلة الأيام ودخلنا في سوق المزايدات الكبرى للحياة سوق تتسع فيها الطموحات وتضيق فيها الصدور وتتضاعف المسؤوليات حتى تختفي تفاصيلنا الصغيرة التي كنا نميز بها أنفسنا. التغيير الأعظم الذي تحدثه الأيام فينا هو التطبيع . نبدأ نعتاد ما كنا نستكرهه ونتصالح مع ما أقسمنا يوما أننا لن نقبله. القسوة الصغيرة التي نصادفها في الشارع أو العمل يوميا والتي كانت تصدمنا في بدايات العمر تصبح مع مرور السنوات جزءا من دروعنا التي نرتديها لكي نحمي أنفسنا. نفقد دهشتنا شيئا فشيئا وتتآكل قدرتنا على التعاطف العفوي ونتحول دون أن ندري إلى نسخة باهتة من أولئك الأشخاص الذين كنا نتحاشى مصافحتهم يوما وهنا تكمن المفارقة الموجعة فنحن نظن أننا نواكب العصر وأننا نكبر وننضج ونكتسب خبرات تجعلنا أكثر صلابة وقدرة على مواجهة قسوة العالم. لكن الصلابة الحقيقية تختلف كثيرا عن التحجر. النضج الحقيقي يعني أن تظل محافظا على رقة قلبك ونقاء سريرتك رغم كل الخدوش التي تتلقاها لا أن تغلق الأبواب وتطفئ الأنوار في داخلك خوفًا من الريح حين تقرأ كتابا قديما كنت تحبه في مراهقتك أو شبابك المبكر أو تعثر على رسالة قديمة بخط يدك أو تسمع صدفة لحنا موسيقيا قديما تشعر فجأة بوخزة غريبة في صدرك. لا لأنك تفتقد الماضي فقط بل لأنك تكتشف كم المسافة شاسعة بين ما كنت عليه وما آلت إليه حالك الآن. تشعر وكأنك تستمع إلى غريب يشبهك تماما ولكنه ليس أنت غريب يحمل اسمك ورقم بطاقتك ولكنه يملك قلبا مختلفا واهتمامات أخرى ومخاوف لم تكن تخطر على بال. هل نلوم الأيام لأنها تتغير؟ هذا عبث. الأيام خلقت لتتغير والسنوات خلقت لتمر والكون محكوم بقانون الحركة والتجدد. لكن اللوم كل اللوم يقع علينا حين نترك أنفسنا رياحا تذروها وحين نتخلى عن مقود القيادة ونكتفي بدور المتفرج العاجز أمام زحف التغيير الصامت. إن التوقف الواعي بين الحين والآخر ليس ترفا فكريا ولا رفاهية عاطفية بل هو طوق النجاة الوحيد. هو اللحظة التي تقف فيها على حافة صخبك اليومي لتقول لنفسك بصوت خافت: إلى أين أمضي؟ وماذا أبقى مني في هذا الزحام؟.
لا تحاول أن توقف حركة الزمن فهذا محال. ولا تفزع إن رأيت وجهك يتغير في المرآة فهذه سنة الخلق. لكن افزع حقا إن شعرت أنك فقدت قدرتك على الدهشة أو أنك اعتدت الظلم أو أنك نسيت طعم الفرح الصافي بلا شروط ولا حسابات. فالحياة ليست بمنجزاتها المادية الكبرى ولا بعدد الأهداف التي نحققها على ورق الأيام بل ببقائنا ببقاء تلك الجذوة الإنسانية النبيلة المشتعلة في صدورنا والتي ترفض أن تذبل رغم كل رياح العابرين. انتبه لنفسك قبل أن تكتشف متأخرا أنك ربحت كل معارك العالم.. وخسرت نفسك في الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى