وتبقى الأُميّة الحقيقيّة هي أميّة المشاعر.

أميّة المشاعر هي ألا نعرف كيف نقرأ اضطرابنا حين يطرق الأمان أبوابنا، وأن نترجم خوفنا الخفي إلى عصبية، وبرود، وانسحاب. أن نملك من العلم أعلى الشهادات، لكننا نجهل تماماً كيف نطمئن، وكيف نخلع دروعنا القديمة أمام من جاء ليطبب جراحنا لا ليضاعفها.
من أشد التناقضات إيلاماً في النفس البشرية، أن نركض سنواتٍ طوالاً طمعاً في مرفأٍ هادئ وعلاقةٍ آمنة، وحين يُهدى إلينا هذا الأمان على طبقٍ من صدق، تصيبنا الريبة، ونضطرب، وربما نفكر جدياً في الهروب.
الحقيقة الخفية أن العقل الذي اعتاد لسنوات على التوتر وتوقّع الصدمات، يتشكل لديه مفهوم خاطئ عن الاستقرار؛ فلا يرى الهدوء طمأنينة، بل يراه كاستراحةٍ ملغومة تسبق عاصفةً وشيكة، أو كفخٍ خفي يُراد به تجريده من حذره ودروعه كي يُسهل كسرُه حين تأتي اللطمة القادمة.
الرجل الذي خرج من تجارب مرهقة، أو نشأ على أن قيمته تكمن فقط في القتال والتحمل، حين يجد نفسه في بيئةٍ دافئة وآمنة مع امرأة تفهمه وتستوعبه، يُصاب وجدانه بالحيرة. هو لم يعتد يوماً على أن يُحب لذاته دون جهد، وحين يختفي التوتر وتتوقف الصراعات، يداهمه فراغٌ داخلي غريب. ولكي يهرب من هذا الفراغ ومشاعر الهشاشة التي تخيفه، قد تجده ينسحب فجأة إلى صمته، أو يفتعل عصبية على تفاصيل ضئيلة. هو لا يكره الأمان ولا يرفض الشريكة، بل يخاف أن يضع سلاحه جانباً فيُباغت بالكسر وهو عارٍ من دفاعاته.
والمرأة التي عاشت تقلبات عاطفية سابقة جعلت أمانها مهدداً، عندما تلتئم بجانب رجل حنون وثابت، لا تسكن روحها فوراً، بل يصحو في خاطرها صوتٌ متوجس يهمس: “لماذا هو طيب إلى هذا الحد؟ متى سيظهر وجهه الآخر؟”. الطمأنينة الكاملة تصدم دفاعاتها القديمة؛ فتراها تظهر بروداً غير حقيقي، أو تبدأ في اختبار صبره والتدقيق في كل تفصيلة. هي لا تبحث عن النكد، لكنها تبحث عن إثبات؛ تريد أن تتأكد أنه لن يرحل إذا ما تجرأت وظهرت ضعيفة أمامه. البرود هنا هو الدرع الأخير الذي تختبئ خلفه كي لا تُفجع مجدداً.
تلك اللحظة التي نشعر فيها بالرغبة في الابتعاد عن العلاقة الآمنة، ليست بسبب عيب في الطرف الآخر، بل بسبب “أميّة مشاعر” تجعلنا نجهل قراءة جراحنا، نخشى أن نكون مكشوفين، فيُعاد جرحنا في نفس المكان القديم.
لكي نتصالح مع الأمان ونسمح لأنفسنا بأن نُحَب، نحتاج أولاً أن نفصل بين الحاضر والماضي. حين تشعر برغبة مفاجئة في الانسحاب أو افتعال خلاف، توقف وسل نفسك بصدق: “هل هذا الشخص يضرني فعلاً، أم أنني فقط خائفٌ من هذا الهدوء؟”.
ثم أعد تعريف الأمان في وجدانك؛ استوعب أنه ليس ضعيفاً ولا استراحة مؤقتة، بل هو الحالة الفطرية الطبيعية التي تستحقها روحك بعد طول تعب.
تدرج في خلع الدروع، فلا تطالب نفسك بفتح كل الأبواب دفعة واحدة؛ تدرج في إظهار هشاشتك بجرعات بسيطة، ولا تطرد من جاء بصدق ليطبب جراحك لمجرد أن غيره آذاك.
ترميم ما هدمته الأيام القديمة يحتاج إلى وقت ورفق شديد بالذات. لا تعاقب من يحبك اليوم بحب خالص، على وجعٍ أورثك إياه شخصٌ رحل في الأمس. حين تلمس الملاذ الحقيقي، خذ نفساً عميقاً، وأرخِ كتفيك المجهدين، ودع روحك تتنفس وتطمئن، فأنت تستحق أن تُحَب دون خوف.
أعظم شجاعة يمارسها قلبٌ أنهكته المعارك، ليست في استمرار القتال… بل في التجرؤ على تصديق أن الحرب قد انتهت، والاطمئنان إلى السَكَن.




