كاتب ومقال

الغيرة انتفاضة قلب

بقلم: د. محمود علام

الغيرة ليست مجرد انفعال طارئ يمر على الروح مرور الكرام، ولا هي مجرد مرض نفسي يُعلق على شماعة الشك والسيطرة كما يصورها أصحاب النظرات السطحية؛ بل هي في حقيقتها انتفاضة قلب.. هزة وجع ناعمة تخبرك بأن هناك إنسانًا بات يمثل العالم بأسره، وأن فكرة خسارته أو مشاركته مع تفاصيل شخص آخر هي فكرة مرعبة لدرجة تستنفر فيك كل دفاعات الحب.

ليست كل غيرة مرضًا، تمامًا كما أن الحب الحقيقي لا يمكن أن يكون هادئًا وباردًا وخاليًا من الشغف؛ فلكل قلب طريقته وأسلوبه الفريد في التعبير عن تعلقه وتمسكه بمن يحب. تتفاوت درجات الغيرة بين البشر قوة وضعفًا؛ فهناك قلب يشتعل بصمت قاتل، وهناك قلب يعتب بدلال، وهناك من تقوده غيرته إلى ثورة مؤقتة من الكلمات، لكنها في النهاية تصب جميعها في نبع واحد، لغة حارقة تقول بصوت خافت “أنا أخاف عليك لدرجة التمني المطلق”.

وحين نغوص أكثر في أعماق النفس البشرية لنتأمل أثر الغيرة، نجدها تتشكل وتتجسد داخل كيان الرجل والمرأة بطرق مختلفة تماماً، كأنها مرآة تعكس اختلاف الفطرة وطبيعة المشاعر..

فغِيرة الرجل، تلامس الغيرة أوتار الفطرة والمسؤولية والاعتزاز بالمكانة والكبرياء. إنها تتحرك لديه كدفع خفي يمزج بين رغبة الطفل الخائف في الاحتفاظ بلعبته الثمينة، وشهامة الرجل الذي يرفض أن يقترب أحد من حدوده العادية أو العاطفية. غيرتُه في عمقها مرتبطة بشعوره بأنه الحصن الأوحد والدرع الذي ينبغي أن يحتمي به من يعشق؛ فإذا غار، فإنما يترجم رغبة صارمة في ألا ينازعه أحد في المساحة التي حجزها لنفسه بجهد قلبه ومحبتها.

فنجد الغيرة عند المرأة، تتحول إلى فيض جارف من المشاعر المتشابكة التي تشبه حركة الموج؛ هي مرآة صادقة لتعلقها الشديد وحاجتها المطلقة للأمان والاستقرار العاطفي. إنها ليست مجرد رغبة عقيمة في الاستحواذ، بل هي ترجمة عفوية لتطلعها لأن تكون الاستثناء الأوحد في عيون حبيبها، والعالم بأكمله في تفاصيل أيامه. حين تغار المرأة، فإنها لا تبحث عن معركة، بل تبحث عن الطمأنينة، وتصرخ بطريقتها الخاصة لتؤكد أن مكانتها في قلب من تحب لا تقبل القسمة ولا الشراكة ولا حتى مجرد الاحتمال.

وبعيداً عن مبالغات البعض التي ترهق العلاقات، تظل الغيرة بجميع ألوانها وتفاوت درجاتها، الدليل الأبقى والبرهان الأصدق على أن جذوة العشق ما زالت حية ونابضة تحت الرماد.

وتحضرنى مقولة رائعة عن الغيرة للكاتب والروائي فرنسي الشهير أناتول فرانس..

“الغيرة هي الضريبة التي يدفعها القلب ثمنًا لكونه قادرًا على الحب بعمق.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى